شبكة منبر الحقيقة

كتاب

 حقيقـة إحتلال العراق

 بين الطغيان الجائر .. والبركان الثائر

 

د. داود أحمد الشيخ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على مافعلتم نادمين) صدق الله العظيم

 


الإهداء

 إلى كل من وقع أسيراً بيد الإعلام التضليلي الذي قلب الحقائق وزيَّف المواقف، فتضببت أمامه الرؤية.. وأختلت عنده الموازين..


 

المقدمة:

إذا أراد المرء أن يبحر في محيط هائج . تتلاطم فيه الأمواج العالية. وتعصف به الرياح العاتية, يقف حائراً من أين وكيف يبحر ؟, وأن لم يجد شاطئاً هادئاً , قد يلجأ إلى تأجيل إبحاره حتى يجد الفرصة المواتية للإبحار ..

هذا ما حصل معي وأنا أقدم على كتابة سطور من الأفكار التي ارتكز بعضها الأعظم إلى الحقائق , وبعضها الآخر أستند إلى التصور والتقدير, بينما أعتمد قسم منها إلى الاستقراء والتحليل. وبذلك لم نرجع إلى كتاب أو مرجع مما دٌوَّنَ, بل كان القلم وحده ينقل استذكار الحدث, واستحضار الفكرة لما حدث في العراق , ولما يمكن أن يحدث .. فهي حقائق من أرض الواقع , وهي وقفة أخلاقية ومبدئية أمام التاريخ. وأمام العراق العظيم وشعبه المجاهد والمبتلى والصابر, المتصل بالله وبالقدر إلى ما شاء الله.

وإذا كان الأعلام الدكتاتوري العالمي الذي سيطرت عليه قوة فرعونية طاغية, قد أعطى صورته الزائفة, وطروحاته الكاذبة لتسويق العدوان وسيادة الطغيان, ونشر الفوضى والطوفان, فأن شمس الحقيقة لا يمكن أن تغيب إلى الأبد.. ومع شروقها تتنور العقول وتتجلى حقائق الأمور بازاحة الضباب عنها.. والحقيقة اصلاً مستقرة في الذهن وفي البصيرة وفي القلب المؤمن, نورٌ قويٌ واضح تتميز به حقائق الأشياء, ويسّهل على أهل النور الادراك والتحسس من أن منازلة الباطل ومكافحة إحتلاله لا تكلفهم من الجهد أكثر مما يتكلفون في إزالة الزبد من على وجه الماء.

وهنا علينا أن نتذكر أن بين الحق وفطرة الأنسان نسباً, فكلاهما من روح الله فإذا أثرت حماسة قلب المرء إلى الحقائق التاريخية, رأيت فطرته تسرع إليها أسراع الأليف إلى أليفه في غير أنكار ولا تردد, بل تقبلُ عليها في معرفة وثقهٍ ويقين, وفي لذةٍ وشوق وحنين.. ذلك بأن الحق مسطوراٌ بقلم الله جلّ شأنه, في كل فطرة, وفي كل زمان ومكان..

وإذا كان منهج المحتل عبر كل حقبات التاريخ يستند إلى الفرقة والتفريق على وفق مبدأه السائد (فرق تسد ), فإن المحتل الجديد سخر كل تكنولوجيته ليرسخ هذا المبدأ بصورة وصيغة مكثفة ومركزه, حتى بات الذي يسمع الأخبار الإذاعيه, ويستمع إلى النشرات الفضائية, ويرى بعينه ما يختاره له التلفاز الفضائي من لقطات منتقاه و يخال اليه أنه هو الواقع بعينه, وهي الحقيقة الدامغة, التي هي على العكس من هذا الحال, فالعراق الموحد عبر مئات السنين, عاش بمصاهرة ونسب وقربى وجيرة واخاء بين الشيعة والسنة، بين العرب والأكراد, دون فرقة أو إختلاف..

كما أن الغزو الثقافي والتسويق الإعلامي الذي جاء به المحتل مع غزوة لأرض العراق, ببرنامج ما كر وخبيث, أشغل العالم بأسره عن جوهر المبادئ العامة التي لا يختلف عليها اثنين, وشكك باليقين, وغيرّ الحقائق, حتى أضحى الحق باطلاً والباطل حقاً.

ولعل مجلس الأمن الدولي الذي كان يفترض به السعي لتحقيق الأمن والاستقرار في هذا العالم المضطرب, نجده هو الذي حقق هذا الاضطراب بعد سيطرة أمريكا عليه لتبدل إتجاهاته وتعكس سلوكيته.

ومن جانب آخر, فالزخم والمكر الإعلامي بلغ حداً بحيث تمكن وللأسف الشديد من تحقيق إختلالات في القناعات المبدئية والراسخة في العقل والضمير الأسلامي لدى البعض ممن ضعف الأيمان في قلوبهم, فسايروا المحتل وتعاملوا معه على أساس أنه حال طبيعي وأمر واقع, متجاهلين, أو متناسين بأن الله عز وجل فرض على كل مسلم ومسلمة الجهاد ضد المحتل عندما تطأ أقدامه أرض الأسلام, وأن كل الأديان السماوية وكل القوانين الوضعية ,وكل الأعراف الأخلاقية الانسانية, لاتقر بالاحتلال وتدعو إلى مقاومته , بل أن مجلس الأمن الدولي نفسه أقر هذا المبدأ في نظامه الاساس, وتمسك به في حل المنازعات الدولية لردح من الزمن.

 أن ثورة البركان الراهنة التي أنطلق بها شعب العراق لتضم في تصاعد متواتر مناطق واسعة, ليس فقط في تلك التي أطلق عليها المحتل تسمية (المثلث السني) بل هي ثورة عارمة عمت اليوم كل أرجاء العراق من المناطق ذات الأغلبية الشيعية والسنية على السواء بتناغم وتنسيق رائع .. وبثورة لا تتوقف في حدود  مدينة أو حي أو محافظة حتى الجلاء القسري لقوات الاحتلال التي تبجحت بقوتها العسكرية الضخمة وبقدرتها التكنولوجية  المتقدمة وبدعمها الاقتصادي الهائل وبمنظومة معلوماتها واستخباراتها المتقدمة تماماً كما كانت عليه ثورة العشرين التي أفصحت عن تلاحم وطني كبير بين كل أطياف المجتمع العراقي, وفي كل مدنه لتنطلق مدوية ومتواصلة بشيعتها وسنتها, بعربها وكردها حتى خرج أخر جندي بريطاني محتل يجر أذيال الهزيمة لينعم البلد باستقلاله واستقراره.

وذلك وغيره يؤكد أن لافرقة طائفية أو عرقية في العراق وان هذا التنوع كان ومازال مصدر قوه للنسيج العراقي فلم ولن يتمكن الاحتلال القديم والجديد من اختراقه بكل ما أوتي من خبث ومكر وقوة.. والموضوع الذي علينا أن ننصح به البعض ممن يصطادون بالماء العكر أو بعض من الكتّاب الذين ليس لهم دراية عميقة في الشأن العراقي أن يبعدوا عن الفخ الذي رسمه الاحتلال الانكلو امريكي  في هذا الشأن فمن الخطورة بمكان لجوء الانسان إلى الابحار في محيط هائج بالامواج المتلاطمة والاعماق المعتمة منطلقاًً من شاطئ غير آمن وإذا كان الشخص ليس ببحار وغير ذي معرفة بالغوص, فتلك هي المصيبة بعينها , فكيف إذن تصور الحال إذا كان هدف هذا الانسان تحريك أو أنتشال حجر ترسو في قاع البحر , وليس لؤلؤة ثمينة تنفعه.

أنه بالطبع سيغرق, وينفعه خيراً إذاً ما ترك هذا الامر فيتناول حجراً أخرى من اليابسة دون معاناة, وتحريكها كما يشاء , فيشبع رغبته, وليدع الحجر المستقرة الراقدة في قاع البحر هادئة, (حجر القوة الوطنية العراقية).

 

المؤلف في ابريل /‏نيسان‏‏ ‏2005م

 

خلفية تاريخية:

في الثمانينات من القرن الماضي كانت العقيدة العسكرية العراقية (دفاعية/ تعرضية) تستند في المجال الدفاعي على عدم التفريط بأي شبر من ارض الرافدين وبأي ثمن، اما في المجال التعرضي فإن العقيدة العسكرية العراقية كانت تستمد مبادئها واتجاهاتها ومداها من العقيدة السياسية التي كانت تلتزم بالمبادئ القومية في تحرير فلسطين العربية من البحر الى النهر ومن النهر الى البحر وإزالة الكيان الصهيوني من ارض العرب، مع الرفض الكامل والشامل لكل اتجاهات التطبيع والتطويع ومحاولات فرض الواقع الصهيوني على العرب للسير على وفق الخطط المرسومة لتبديل وتعديل الخارطة السياسية للمنطقة بما يحقق الهدف الصهيوني المعلن في الاستحواذ والسيطرة والهيمنة على الارض والانسان العربي من ضفاف الفرات الى ضفاف النيل فالعراق بقيادته السياسية وشعبه وقواته المسلحة كان يؤمن بان الصراع العربي الصهيوني هو صراع حاد بين ارادتين متناقضتين لايمكن التوفيق بينهما الا بالتحرير الشامل والكامل للاراضي العربية.

ولعل هذا المبدأ والتمسك به هو الذي جعل الصهيونية العالمية تهيأ كل المستلزمات والظروف الكفيلة بتحطيم أواصر العراق ومرتكزات مبادئه واتجاهاته وعقيدته السياسية.

والعقيدة عموماً هي مصطلح اصله ديني بالأساس ، وخلاصة تعريفها انه كل من عقد قلبه وضميره ولسانه على شيء وآمن به، ولذلك نجد الارتباط الوثيق والانبثاق الواضح للعقائد من اصولها.

فالعقيدة التدريبية تنبثق من العقيدة القتالية والاخيرة تنبثق من العقيدة العسكرية التي تنبع من العقيدة السياسية والتي ان استندت الى عقيدة دينية في اتجاهاتها ومرتكزاتها فإنها تثير الحماسة والقبول والاقناع وعمق الاعتقاد. وعلى العكس نجد ان ابتعاد العقيدة وتقاطعها مع العقيدة الدينية تفضي الى الاندحار والانحدار وبالتالي الاضمحلال لانها ترتكز الى امور دنيوية فقط، وماهو في الحياة الدنيا يخضع للتغيير والتبديل ... وفق متغيرات مستمرة ومعطيات متبدلة ولعل افضل مثال للعقيدة السياسية التي لاتستند الى العقيدة الدينية، هو الاتحاد السوفياتي السابق الذي كان يعتبر الدين افيون الشعوب، وما اصابه من تراجع ثم انهيار تام على العكس من العقيدة السياسية اليابانية التي ارتكزت على العقيدة الدينية (بالرغم من كونها عقيدة وثنية غير توحيدية) باعتمادها دين (الشنتو).. فبعد الخسارة في الحرب العالمية الثانية والتي حققت فيها العقيدة العسكرية اليابانية طفرة نوعية معنوية هائلة في الصمود والقتال والتضحية والاندفاع باستناد الاستراتيجية العسكرية اليابانية على هذه العقيدة المنبثقة من العقيدة السياسية اليابانية التي كانت تعتبر الامبراطور (هيرو هيتو) ليس قائداً سياسياً فقط، بل قائداً روحياً يمثل من وجهة نظر دينهم (روح الإله في الارض) تلك العقيدة التي تمسك بها المقاتلون اليابانيون الى الدرجة التي لم تتمكن الولايات المتحدة الامريكية من كسر شوكة اليابان حتى بعد احتلال الحلفاء لبرلين وانكسار الجيش والدولة الالمانية، الا بعد استخدام القنبلة النووية الاولى في العالم على ميناء هورشيما في السادس من آب 1945م وتبعه الهجوم النووي الآخر بعد ثلاثة ايام على ميناء نكازاكي الياباني في التاسع من آب 1945م والتي ادت الى إعلان الامبراطور الياباني الاستسلام وقبولـه شروط الاذعان.

كانت العقيدة السياسية الدينية طيلة الحرب العالمية الثانية توجه العقيدة العسكرية اليابانية لتستند الى فكرة ان الامر الذي يصدر من القيادة العسكرية يعتبر أمراً إلهياً حيث استندت العقيدة على مبدأ ان الجندي يعبد قائد الفصيل وقائد الفصيل يعبد قائد السرية وهكذا صعوداً وبعد الخسارة التي منيت بها اليابان، في الحرب العالمية الثانية سرعان ما اعيد إنشاء الدولة من جديد بالاستناد مجدداً الى العقيدة الدينية، ولكن بانتقاء العامل الاقتصادي والعقيدة الصناعية التي انبثقت من عقيدة دين (الشنتو) الذي يدعو الى عبادة العامل لرب العمل فضلاً عن عبادة الاولاد والزوجة لرب العائلة بعد طرح فكرة العائلة الصناعية اليابانية ليكون بها العامل الاقتصادي واحداً من اهم العوامل الذي جعل اليابان واحدة من اهم واكبر القوى الاقتصادية العالمية بالرغم من محدودية مواردها الطبيعية، او بالاحرى افتقار هذا البلد لها.

ومن هذه المقدمة السريعة والضوء البسيط على مفهوم العقيدة العسكرية والتي هي عبارة عن افكار وآراء واتجاهات تنير الدرب للاستراتيجية العسكرية في تسهيل مهمة رسمها وتطبيقها، نعود الى العقيدة العسكرية العراقية التي مثلما ذكرنا انها كانت عقيدة دفاعية/ تعرضية في آن واحد خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي، وإذا اخذنا امثلة حية على اتجاهات هذه العقيدة نجد ان عام 1988م قد شهد تطبيقاً حياً للاستراتيجية العسكرية المعتمدة على هذه العقيدة حيث ابان وطيس الحرب العراقية الايرانية وبعد ان تمكنت ايران من احتلال مناطق واسعة وشاسعة ومهمة من الاراضي العراقية الحدودية مثل مثلث الفاو ومنطقة الشلامجة وجزر مجنون النفطية ومنطقة الزبيدات ومناطق اخرى في القاطعين الاوسط والجنوبي من جبهات القتال، فإن العراق ومن عقيدته الدفاعية التي كانت لاتسمح بأي اختراق او احتلال لشبر واحد من الارض اعد خطة عسكرية تعرضيه طموحة كانت من افضل ماشهدته الاستراتيجية العسكرية العراقية من تطبيق لمبادىء الحرب وخاصة مبادئ المباغتة والتحشد والعمليات التعرضية والامن والشؤون الادارية وغيرها ليبدأ تنفيذها في السابع عشر من نيسان عام 1988م بالهجوم على القوات الايرانية الهائلة التي رتبت دفاعاتها بصورة وبصيغة وباسلوب وحجم لايمكن لأي مراقب او محلل او قائد عسكري في النظر بعين المنطق العسكري الاستراتيجي الى إمكانية اختراق الدفاعات والقطعات الايرانية المحتشدة والمدافعة في منطقة الفاو لما شملته تلك الدفاعات من تحصينات طبيعية واصطناعية متتالية وصعبة، ولما تضمنته الدفاعات الايرانية من حشد ناري وبشري هائل الا ان القوات العراقية تمكنت من تحقيق نصر عسكري سريع ومباغت خلال ساعات لم تتجاوز الست والثلاثين وليس اياماً.. ففي اليوم الاول من شهر رمضان المبارك انطلقت القوات العراقية من خطوط شروعها وانجزت مهامها قبل غروب اليوم التالي ثم توالت العمليات التعرضية العراقية في المناطق الاخرى المحتلة الكائنة شمالاً، فاحتشدت القوات العراقية في منطقة الشلامجة بعد اقل من شهر من عمليات الفاو لتجهز على القوات الايرانية وتحرر هذه المنطقة لتنتقل بسرعة الى جزر مجنون وتحطم القوات الايرانية فيها وتأسر الالآف منها، وهكذا استمرت العمليات لتشمل منطقة الزبيدات ثم القاطع الاوسط حتى استعادت كل الاراضي العراقية المحتلة بعد ان اوقعت خسائر هائلة في صفوف واسلحة ومعدات وتجهيزات القوات الايرانية والتي فرضت على الحرب ان تضع اوزارها بالنصر العراقي بعد اعلان ايران الموافقة على قرار مجلس الامن الدولي(598).

 


 

ناقوس الخطر يدق في اسرائيل

 

هذه الحرب التي انتجت مليون مقاتل عراقي مدرب ومجرب يتحلون بروح معنوية عالية شكلت من وجهة النظر الصهيونية خطراً محدقاً حقيقياً على تواجد الكيان الصهيوني برمته على ارض العرب، والذي ادى الى إثارة ريبة الصهيونية من المتغير الجديد، لتقرر الانتقال الى مرحلة تسريع استهداف العراق.. نعم (التسريع) فخطة استهداف واحتلال العراق لم تكن وليدة المتغيرات المعاصرة والتي سعت وتسعى كل الوسائل الاعلامية والحرب النفسية لاظهار وابراز الكذب والوهم والتزييف والتغليف والتحريف والتضليل الاعلامي من أن مبررات احتلال العراق جاءت لاسباب متنوعة تنتقل في التركيز على امتلاك العراق اسلحة الدمار الشامل الى ارتباط قيادة العراق بتنظيمات القاعدة، ومشاركة العراق في أحداث 11 ايلول سبتمبر عام 2001م الى عدم استجابة العراق لقرارات الامم المتحدة وغيرها، وعندما تخفت او تخذل تلك الوسائل بالاقناع تلجأ الى طرح فكرة الدكتاتورية، الجرائم، حقوق الانسان وغيرها من الطروحات الكاذبة والواهمة ولعل ما زاد من عملية تسريع استهداف العراق والقرار على احتلاله، تلك المعلومات التي تناقلتها اجهزة المخابرات في الكيان الصهيوني التي تشير الى ان قادة الحرس الجمهوري وضباطه قاموا بعمليات استطلاعية على الحدود الاردنية الاسرائيلية بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية مباشرة.. مما أدى الى شعور اسرائيل بأن العقيدة العسكرية التعرضية ربما تكون قد تبنت التدريب لاقتحام المستوطنات الاسرائيلية والتحصينات الاخرى ثم الاندفاع الى العمق على قاعدة تحرير فلسطين التي تؤمن بها القيادة السياسية العراقية ايماناً راسخاً في عقيدتها، انطلاقاً من أن التحرير لا يأتي بالمفاوضات والتطبيع، وانما بالقوة العسكرية فقط لانها اخذت بالقوة وان اسرائيل لاتعترف ولاتعتمد الا على منطق القوة العسكرية.

ويبدو ان الموساد الاسرائيلي قد اعتمد على هذه الطروحات ليبدأ في عملية ضغط سياسي واعلامي واسعة النطاق ضد العراق وقيادته من خلال التركيز على امتلاكه لاسلحة الدمار الشامل. ثم بدأت خيوط هذه العملية تتحرك بكافة الاتجاهات وتحرك كل الاوساط الدولية والاقليمية ضد العراق ولعل واحداً من اهمها كان التحرك الامريكي والبريطاني والكويتي، حيث اعتمد التحرك الامريكي على الضغط الاقتصادي بايقاف صفقة الحبوب المتفق عليها والمدفوع ثمنها وما تلتها من ضغوطات اقتصادية، والموقف البريطاني الذي تمثل بإرسال الجواسيس الى العراق والذي سرعان ما اكتشف امرهم وما آل اليه الحال في إعدام الجاسوس البريطاني من اصل ايراني المدعو (بازوفت) والذي خلقت بريطانيا بعد اعدامه ازمة سياسية ضاغطة ضد العراق، أما الموقف الكويتي فتمثل بالتسارع في إشعال فتيل الازمة الحدودية والمطالبة بترسيم الحدود فضلاً عن المطالبة بتسديد الديون المالية المترتبة على العراق بالرغم من الوضع المالي الصعب الذي كان يمر به بعد خروجه من الحرب وكذلك المباشرة بسحب النفط العراقي من حقول الرميلة العراقية في عملية استفزازية واقتصادية مثيرة وخانقة ضمن مرحلة العدوان الاقتصادي التي تبنتها الكويت بالاضافة إلى إغراق السوق الدولية بالنفط بهدف إيصال سعر البرميل الواحد إلى (12) دولاراً فقط ، مما سبب خسارة كبيرة للعراق وصلت إلى(7) مليار دولار سنوياً وفي كل هذه الصفحات التآمرية بدأت الحرب الإعلامية ضد العراق (تمثلت بأكثر من 200 ساعة في اليوم الواحد، فضلاً عن ما نشر في الصحافة والكتب ودراسات مراكز البحوث) من خلال وسائل الإعلام الامريكية والغربية المرتبطة بالحركة الصهيونية والتي هي اصلاً واحدة من اهم وسائل هذه الحركة لتحقيق اهدافها الدعائية والتضليلية في خلق ازمة تمهد للحرب. ازمة سياسية، دبلوماسية، اعلامية، اقتصادية، يجري استغلالها من جانب الادارة الامريكية لتحقيق اغراض الصهيونية العالمية وفي مقدمتها سلامة الكيان الصهيوني فضلاً عن الابقاء على النفط العربي تحت الهيمنة علماً بأن وسائل الاعلام الامريكية والصهيونية كانت آنذاك تقود حملة تضليل إعلامي واسعة ضد العراق حتى أن أحد الكتاب الأمريكان (نورد دايفييس) كان قد وصف هذه الحرب النفسية والاعلامية في كتابه (درع الصحراء وفضيحة النظام العالمي الجديد) بقوله ( إن وسائل الاعلام قد شوهت شخصية صدام حسين وتخبرنا أنه على وشك أن يغزو السعودية في أية لحظة. وأن على امريكا أن ترسل رجالها تحت وطأة سفك الدماء والموت من أجل منع ذلك الرجل من وضع يديه على نفط العالم وإستخدامه كسلاح سياسي وإفلاس العالم بأسره. وأن الهدف الرئيسي من هذا الكتاب هو أن يعلمكم درساً أثر درس وسطراً أثر سطر ان حكومتكم تكذب عليكم وأنها تفعل ذلك بمهارة تصل إلى حد أن معظم الامريكيين يعتقدون أنها صادقة وبحيث تبدو لكم الريح صلبة وصلدة. وصدقوني لو أن وسائل الاعلام تخبركم الحقيقة لحصلت ثورة من الصباح).

ولم يكن الجيش العراقي المليوني المدرب والمجرب في الحرب العراقية الايرانية وحده الذي سبب الرعب لأعداء الامة، بل ان التكنولوجيا العلمية المتطورة والاقتصاد العراقي المتين رغم ظروف الحرب والتأثير السياسي الاقليمي والدولي كانت من العناصر التي فرضت على الصهيونية القرار في ضرب العراق وتحطيم بناه الارتكازية ضمن اطار الخطة الاستراتيجية بعيدة المدى لاحتلاله، ولم يكن ضرب المفاعل النووي العراقي في السابع من حزيران عام 1981م إلا تطبيقاً لهذه الاستراتيجية. وكان العراق قد تمكن من تطوير القاعدة العلمية الصناعية التكنولوجية ووصل إلى ناصية العلم بعد أن أطلق صاروخ (العابد) عام 1989م الذي أخترق حاجز الغلاف الجوي والذي صمم ليحمل القمر الصناعي العراقي. ذلك الصاروخ الذي تمكن العلماء العراقيون قبل تصميمه وإطلاقه من إكتشاف حقيقة دينية علمية إعجازية من القرآن الكريم في أن كافة مركبات الفضاء التي تطلق من أي نقطة من المعمورة لابد لها أن تخترق حاجز الغلاف الجوي من نقطة محددة، وهي الواقعة فوق المسجد الاقصى المبارك، بل أنها هي ذات النقطة التي (عرج) منها الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماء العلا. كما أن هذه المركبات والصواريخ لايمكنها تحقيق هذه الاختراق إلا بعد أن تأخذ مساراً عمودياً أولاً ثم مساراً مائلاً بزاوية (33درجه) بإتجاه نقطة الاختراق. وهي ذات الزاوية التي أشار لها الله عز وجل في القرآن الكريم بالآية (33) من سورة الرحمن بقوله تعالى( يامعشر الجن والانس إن أستطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والارض فانفذوا لاتنفذون إلا بسلطان) صدق الله العظيم. وكان هذا الحدث العلمي التطبيقي قد أذهل أعداء الأمة وأسهم في التفكير التسريع لتدمير العراق.

ثم اخذت الحرب الاعلامية طابع التركيز والتضخيم لقدرات العراق العسكرية وتهديدها لما سمي بأمن منطقة الشرق الاوسط، وكأن اسرائيل لاتمتلك شيئاً يذكر. ومن بين ماركزت عليه، ذلك الحديث المركز والمتواصل حول المدفع العملاق الذي اضحى في حينه المادة الاعلامية المثيرة لاجهزة ووسائل الاعلام الامريكي والغربي، فتحدثت عن طول سبطانته البالغة (40) اربعين متراً ومدى اطلاق قذيفته البعيد الذي يهدد مواقع بعيدة في العالم بضمنها اوروبا، واصبح هناك متخصصون في الصحافة الغربية للحديث والكتابة عن هذا المدفع الذي لامثيل له في العالم حتى ان احد الكتاب الامريكان (وليم لوثر) نشر كتاباً اعتبر فيه ان المدفع العملاق هو السبب الرئيسي للهجوم على العراق في كتابه الموسوم (قصة المدفع العملاق وانطلاقة حرب الخليج).

واستمرت هذه الحرب الاعلامية الخبيثة بتشويه صورة العراق وقيادته الوطنية المستقلة فمنذ النصف الثاني من عام 1988م كانت الصحافة الغربية قد بدأت بنشر الكثير من المقالات حول (وحشية قيادة العراق) وتشبيهها بالقيادة النازية الطموحة لامتلاك المزيد من القوة الاقليمية لتهديد الامن الدولي ورافق ذلك فضلاً عن احتجاز بعض المواد المستوردة للعراق وإلغاء صفقة الرز الامريكي، تهديد للشركات العالمية لارغامها على سد أبواب توريد التكنولوجيا المتطورة لايقاف حركة التطور العلمي والتكنولوجي للعراق.

وقبل الاسترسال في هذا العرض التاريخي لابد من الاشارة والتذكير بالقرار الامريكي القديم في استهداف العراق، حيث انه وفي العام 1973م قامت القوات الامريكية بمناورة عسكرية في شتاء ذلك العام وتحديداً خلال شهر شباط/ فبراير في صحراء موجاف الامريكية كان العدو المفترض في تلك المناورة يرتدي الزي العسكري العراقي. وقد جاء ذلك بعد قيام القيادة السياسية العراقية باتخاذ قرار تأميم النفط في الاول من حزيران عام 1972ميلادية. اما خطة الحرب المرقمة 1002/ 90 الامريكية فانها كانت معدة بكل تفاصيلها للتعامل مع القوات العراقية عند اجتيازها ارض الكويت بالفخ الامريكي المرسوم لهذا الغرض والذي لم يتطلب سوى نقل القطعات عبر المحيطات لتنفيذ الخطة المعدة سلفاً التي اشتركت بها قوى امريكية وصهيونية بالتعاون مع بعض عملاء هذه الامة الذين تنكروا لتاريخها العريق، حيث خصها الله عز وجل برفع راية الاسلام الحنيف لعموم هذا العالم الواسع والفسيح.

هذا الفخ الامريكي الصهيوني في دخول الكويت الذي جاء على وفق سيناريو شامل وكبير لاحتلال العراق بتخطيط دقيق ومتقن بالاضافة إلى الاجراءات الكويتية في الضغوط الاقتصادية على العراق واختلاق ازمة الحدود، لم يستفز العراقيين  فحسب، بل انها استفزت القيادة العراقية في بعض الجوانب القيمية الاخلاقية الخطيرة بعد ان تحدث المسؤولون الكويتيون بعبارات نابية عن المرأة العراقية لجر العراق الى الفخ بدراسة عميقة ومعمقة لواقع الشخصية العراقية فضلاً عن الجوانب التفصيلية الاخرى المعروفة التي تضمنتها خطة استهداف العراق التي انبثقت اولاً من الشعار الصهيوني القديم الجديد والذي نقش على واجهة مبنى البرلمان (الكنيست الاسرائيلي) حيث ينص على ان (حدودك يا اسرائيل من الفرات الى النيل). هذا الشعار الذي رسم ايضاً على العلم الاسرائيلي الذي يشير خطه الازرق الاعلى الى نهر الفرات بينما يؤشر الخط الازرق الاسفل الى نهر النيل وبينهما اللون الابيض الذي يرمز الى الارض الواقعة بين نهري الفرات والنيل والتي يجب ان تكون خاصة وخالصة لليهود دون سواهم من الاجناس البشرية الاخرى الذين عليهم التفتيش عن (الوطن البديل) والتي اعتبروها ارضاً لهم بعد ان طرح هرتزل مبدأ (شعب بلا أرض وأرض بلا شعب)، بينما رسمت النجمة السداسية (نجمة داود) الزرقاء لترمز الى ان مايسمى بهيكل سليمان موجود تحت المسجد الاقصى المبارك والذي يجب ان يزال حتى يتسنى لهم اظهار الهيكل المزعوم! ولعل المراقب للمواقف والاحداث يجد بسهولة ويسر ان تجسيد هذا الشعار يسير على وفق خطى دقيقة ومبرمجة زمنياً لتنفيذه على واقع الارض والحال.

ولعل تصدع جدران المسجد الاقصى المبارك بعد حفر الانفاق تحته حال ما تسلم ارييل شارون وزارة السياحة، او الزحف التدريجي والمكثف للمستوطنات حال ما تسلم ارييل شارون وزارة الاستيطان، او رفع العلم الصهيوني على اجمل الابنية الانيقة في بعض الدول العربية بعد فرض نهج التطويع والتطبيع عليها حتى وصل الحال بهذه الدول ان تعتمد يوم السبت عطلة رسمية اسبوعية بحجج وذرائع مختلفة منها اشتراكها بمنظمة التجارة العالمية والتوحد مع نظام المصارف العالمي في ايام العطل وغيرها وذلك كله يمثل نهجاً ومنهاجاً على هذا المسار فضلاً عن طرح فكرة مشروع الشرق الاوسط كبديل للهوية القومية العربية في المجال الاقتصادي اولاً، لتنطلق بعد ذلك الى المجالات الاخرى. وأن ما طرح مؤخراً من مشروع (الشرق الاوسط الكبير) او محاربة مايسمى (بالإرهاب) بعد التلاعب بالتسميات لتغيير مفهوم (العنف والتطرف والغلو) الذي ينبذه الاسلام الحنيف الى مصطلح (الارهاب) والتثقيف عليه واشاعته ولصقه (بالاسلام) ليكون مفهوماً مرناً وواسعاً تنطلق منه الصهيونية بوسائلها الامريكية وغيرها لدحر كل مقاومة مشروعة للاحتلال بحجة الارهاب وجذب الدعم العالمي لذلك وغيرها.. كلها تدخل ضمن اطار تحقيق اهداف الصهيونية التي رسمها شعارهم وعلمهم المذكور، هذا العلم الذي حاولت الصهيونية تمريره على الساحة العراقية بعد الاحتلال الانكلو امريكي ومن خلال بعض العملاء لطمر رمز السيادة العراقية المتمثل بعلم العراق الموشح بلفظ الجلالة وابداله بعلم مستوحى من العلم الصهيوني كدليل آخر على الافصاح عن النهج والمخطط الصهيوني تجاه العراق والامة العربية حيث شمل خطين ازرقين في الاعلى والاسفل يفصل بينهما لون اصفر مع وجود هلال ازرقً في محاولة للترميز الى ان اللونين الازرقين يمثلان نهري دجلة والفرات ومابينهما يمثل الحقد العراقي على الصهيونية باللون الاصفر بينما يهل هلال الصهيونية الازرق على العراق بعد احتلاله الا ان الله عز وجل شاءت ارادته ان يخذل من حاول التجرأ لإلغاء لفظ جلالته الموشح بها علم العراق فسخر ابناء الشعب من (العلم الجديد) ورفضوه رفضاً قاطعاً وأحتفظوا  بالعلم العراقي الذي انبثق من الاصالة العربية الاسلامية.. ورحم الله الشاعر العربي صفي الدين الحلي الذي يقول في ابيات من قصيدة قيمة له:

 

انا لقوم ابت اخلاقنا شرفاً

               ان نبتدي بالاذى من ليس يؤذينا

بيض صنائعنا سود وقائعنا

               خضر مرابعنا حمر مواضينـا

 


 

العنف الصهيوني ومفهوم الارهاب

 

 في سياق هذا المخطط الصهيوني الكبير نجد الاختلال العميق في الموازين والمعايير بعد ان طرحت الفكرة الصهيونية المسماة (الارهاب) لتلصقه بالمسلمين حيث جرى تركيز هذا الضوء بعد انتهاء الحرب الباردة وتراجع و تفكك الاتحاد السوفياتي وانتهاء خطره الجاثم على الصهيونية وامريكا لردح طويل من الزمن منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في نفس الوقت الذي بدأ العنف الاسرائيلي يأخذ مداه الاقصى في ذبح شعبنا الفلسطيني بقساوة لم يشهدها الجنس البشري عبر تاريخه الانساني على هذه المعمورة.

بل ان الصهيونية استفادت من احداث الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر عام 2001م ميلادية التي أدت الى تدمير برجي التجارة العالمي في نيويورك واستهداف مبنى وزارة الدفاع الامريكية (البنتاغون) لتزداد عنفاً ضد ابناء فلسطين العزل بدعوى (محاربة الارهاب).

فما معنى الارهاب؟ ولماذا اتخذ اليهود من اهل المكر والكفر هذا المصطلح بدلاً عن أي مصطلح آخر؟ وهم البارعون في تغيير الكلم حتى في كلام الله كما وصفهم البارىء عزوجل بقوله (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه)، والبارعون في المكر والخديعة (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).

ولكي تكون الصورة جلية وواضحة ضمن سياق هذا السيناريو والمخطط الصهيوني الكبير في محاولة تدمير وايقاف حركة تطور الأمة العربية وبالتالي تفتيتها والسيطرة التامة عليها، لابد من القاء ضوء سريع على هذه المفاهيم الفكرية التي وضعت لتجسد على واقع التطبيق ضمن مراحل تنفيذ المخطط.

في عام 1974- حينها وعندما كنت طالباً في كلية الحقوق- كتب احد الاساتذة مصطلح (الشرق الاوسط) على اللوحة خلال محاضرته، وكان يقول تذكروا ان تداول هذا المصطلح وتكراره يكمن في غاية استراتيجية صهيونية بعيدة فهو اليوم لفظ ليس الا ليعتاد اللسان العربي عليه على اساس التقسيم الجغرافي، ولكنه غداً سيكون مشروعاً مطروحاً على الواقع المفروض والمرفوض ليأخذ مداه ضمن تلك الاستراتيجية الملعونة المحسوبة بدقة.

ولقد تحقق ماقاله، فمن اللفظ اللغوي الى التثقيف لتكريس الفكرة، الى الواقع الاقتصادي، ثم المشروع الاصلاحي الخارجي المفروض على العقيدة والقيم والاخلاق والسلوك ضمن ماسمي اليوم بمشروع (الشرق الأوسط الكبير)!!.

هذا المشروع الذي تبنت فقراته المختلفة التغيير الجذري لواقع الأمة العربية بعد طمس هويتها القومية وتبديل قيمها الاخلاقية والدينية ولعل اخطر مافيه تلك الاصلاحات المزعومة لتعديل أو تبديل المناهج الدراسية الاسلامية بعد رفع كل ما يشجع على الجهاد وفي هذا نستذكر تلك الرؤية الثاقبة للرئيس صدام حسين في العام 1982م عند زيارته لأحدى رياض الاطفال في بغداد, وسأل ذلكم الاطفال من عدوكم؟ وأشار لهم بالرغم من خوض العراق في ذلك الوقت وطيس الحرب مع ايران, بأن العدو هو الكيان الصهيوني الغاصب. وأشار في حينها ان العرب ان لم ينتبهوا الى خطورة هذا الكيان وضرورة مجابهة مخططاته فسيأتي اليوم الذي تتدخل فيه الصهيونية حتى في تنظيم المناهج الدراسية للطلبة في بلدانهم العربية!!.

ومشروع الشرق الاوسط عندما طرح في السبعينات تزامن معه مشروع آخر بأسم (المتوسطية) ويقصد بها التعاون بين الدول المشاطئة للبحر الابيض المتوسط من الجنوب.. وإذا ما نظرنا إلى كلا المشروعين بنظرة سريعة وفاحصة نجد أن المشروع الأول يقسم الدول العربية إلى دول المشرق ومعها ايران وتركيا واسرائيل, بينما يشمل المشروع الثاني دول المغرب العربي اسرائيل. وفي كلا المشروعين نجد أن (اسرائيل) هي المحور المحرك لهما, ففكرة التعاون الاقتصادي التي يقصد بها (الهيمنة الاقتصادية) لاسرائيل هي التي تمثل خط الشروع لتنفيذ كلا المشروعين حتى يتم تحقيق الهيمنة الاستراتيجية الشاملة في كل المجالات تدريجياً.. فمن فكرة التقارب إلى فكرة التطبيع إلى التعاون إلى التوحد. وبذلك يتم تحطيم اواصر العمل العربي المشترك, فبدلاً من وجود (منظمة الوحدة الاقتصادية العربية) يمكن استحداث (منظمة الوحدة الاقتصادية الشرق أوسطية) وبدلاً من وجود (منظمة التجارة العربية) تستحدث (منظمة التجارة الشرق الاوسطية) وهكذا حتى تذوب الهوية العربية في هذين المشروعين.. والآن وبعد تحقيق خطوات مهمة على هذا المسار تم دمج كلا المشروعين بمشروع واحد سمي بـ(مشروع الشرق الاوسط) الكبير الذي طرحه الرئيس الامريكي جورج بوش الابن بعد احتلال العراق ليكون شعاره الزائف هو (الاصلاح) وتتضمن بنوده اخطر ما شهدته امة العرب من تحديات عبر سني عمرها الطويلة. وعلى سبيل المثال نجد ان البند الخاص بالاصلاح السياسي يتضمن (اصلاح ديمقراطي في اطلاق حرية الكلام والاحزاب بشرط ابعاد الصحف المشاغبة والمناوئة لامريكا واسرائيل) اما في بند حقوق الانسان فيؤكد المشروع عليها بنفس الوقت الذي تمارس فيه امريكا واسرائيل ابشع انواع التعذيب والاذى الجسدي والجنسي والنفسي في جرائم يندى لها الجبين, بل لايمكن للمرء الوقوف عندها وتصورها في سجون (ابو غريب) العراقي و(غواتنانامو) الكوبي والسجون الاسرائيلية في فلسطين المحتلة وغيرها.

أما في البند الخاص بالمرأة فيشير المشروع إلى ان المرأة مضطهدة في العالمين العربي والاسلامي, ولذا يجب اطلاق حقوقها الاجتماعية (والجنسية). وفي مجال الاصلاح الاقتصادي فيدعو المشروع إلى وقف تدخل الدولة في شؤون الاقتصاد, والتخلي عن فكرة (الدعم لمستحقيه), بل ان الأمر يستوجب تعميم فكرة (من يريد ان يأكل فليدبر أمره بنفسه). وفي مجال الأمن فالمشروع يطلب التخلي عن اسلحة الدمار الشامل عدا اسرائيل لأنها تتعرض إلى هجمات ارهابية! مع ضرورة ترك الحكام للحيرة التي هم عليها في مجال تسليح جيوشهم إلى الولايات المتحدة الامريكية, فهي الوحيدة القادرة على تحديث الجيوش بنفس الوقت الذي تتمكن من تقدير احتياجاتها الفعلية بدقة.

 وفي المجال الاخطر, وهو (التعليم), فإن المشروع يطرح برنامج تبديل (مادة الدين) بـ (مادة الاخلاق) تدريجياً ابتداءاً من تعديل برنامج مادة الدين وايقاف التثقيف على الآيات القرآنية التي تحرّض على الجهاد. كما يطرح برنامج المصالحة بين الاديان لغرض تقبل نقد (الدين الاسلامي) بجوهره ومنهجه وعقيدته العظيمة..

هذه هي مؤامرة مشروع الشرق الاوسط الكبير الذي شمل مشروعي (الشرق الاوسط) و (المتوسطية) ليشمل الرقعة الجغرافية الممتدة من (مراكش إلى كراجي) وهي المنطقة التي تمثل المجال الحيوي لاسرائيل. ولذلك نجد حتى أن صواريخ اريحا صممت وطورت لتصل مدياتها إلى كل نقاط من مناطق المشروع, بنفس الوقت الذي تحمل فيه رؤوساً نووية بعد أن تمكنت من تحقيق خزيناً استراتجياً من هذه الترسانة وصل إلى اكثر من (200) مائتي رأس نووي باعتراف الفني الاسرائيلي (فانونو) الذي كان يعمل فنياً في مفاعل ديمونة بعد هروبه إلى تايلند. وكان مردخاي فانونو قد قضى مدة (18) ثمانية عشر عاماً في سجن عسقلان بسبب هذه التصريحات والاعترافات, ووصلت به درجة الاشمئزاز حتى بدل ديانته من (اليهودية) ليعتنق (المسيحية).

هذه الترسانة النووية الاسرائيلية الضخمة التي لم ولن يعترف بها الكيان الصهيوني أبداً. ولذلك فقد تبنى في موضوع الردع النووي استراتيجية خاصه هي استراتيجية (الردع من خلال الشك) حيث تحقق له الضغوط المعنويه على العرب با بقائهم في حالة من الغموض من امرهم فيما يتعلق بواقع القدرة النووية الاسرائيلية وامكانية استخدامها, فضلاً عن أن عدم البوح بهذه الاسلحة يؤمن لاسرائيل الورقة الرابحة في مواصلة الدعم الدولي لها في مجال الاسلحة التقليدية. وكذلك فإنها تخشى من ردود الفعل الدولية في حالة كشف امتلاكها لهذه الترسانة, وبالطبع فإن هذه الاستراتيجية تحقق لهم منع العرب من امتلاك هذه الاسلحة والدخول في سباق تسلح نووي معها.

 

ومع هذا كله فإن اسرائيل تدعم هذه الاستراتيجية من خلال اطلاق بعض التصريحات الرسمية الغامضة احياناً والصريحة احياناً اخرى. ولذلك نجد ان كتاب الخيار النووي لمؤلفه (شاي فيلدمان) الاسرائيلي يقول (ان الاستعداد للحرب يكون أقل كلما كانت نجاعة الردع النووي اقوى, فالخوف من خطر كارثة نووية يردع الخصوم عن شن الحروب). ويرى الصهيوني اسحق شامير بأن (ردع المعتدي هو بمثابة الخطوة الاولى والضرورية المؤدية إلى السلام والتسليم بوجود اسرائيل). أما التصريح الصريح فهو الذي بثته اذاعة اسرائيل يوم 23آب 1990 بعد دخول القوات العراقية إلى الكويت عن العميد اهارون ياريف رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والذي اعلن فيه صراحة بأن (اسرائيل تمتلك اسلحة نووية بامكانها ردع العراق).

ومن المؤشرات التطبيقية لهذه الترسانة النووية تلك المعلومات المنقوله عن شبكة (CBS) بتاريخ 21 أيلول 1990م والتي أشارت إلى قيام اسرائيل بنقل (30) رأساً نووياً من مفاعل ديمونة في صحراء النقب إلى الغواصات النووية الاسرائيلية خشية عليها من تأثير الصواريخ العراقية المحتمل إستخدامها آنذاك ضد إسرائيل. تلك الصواريخ الجبارة التي طورها العراق عن صواريخ (سكود) السوفياتية ليسميها (صواريخ الحسين) والتي استخدمها العراق بعد نشوب العدوان الثلاثين في 17/1/1991م لتدك مفاعل ديمونة والمواقع العديدة على أمد فترة العدوان العسكري، وبلغ عددها (43)صاروخاً . ولم تتمكن صواريخ الباتريوت الامريكية المتطورة المضادة للصوارخ والتي تم تزويد اسرائيل بها من مقاطعة صواريخ الحسين بل الغريب أن الصواريخ العراقية كانت تأخذ صواريخ الباتريوت لتسقطها معها على أهدافها وفي ذلك شأن إلهي أعطى صواريخ الحسين قدرة تكنولوجية الهية تفوق التكنولوجيا الامريكية .

 

 

فقد كتبت (البسملة) على متن الصواريخ وثبت عليها (بسـم الله مسراها ومجراها) وتوكل مطلقوها على الله عز وجل لينزل غضبه على (المغضوب عليهم)*. ولعل قواعد اطلاق تلك الصواريخ كانت هي الاخرى مثار اعجاب واستغراب بسبب انتشارها في الصحراء الغربية الجرداء الخالية من الاستار والاشجار والتي كانت خمسة من الاقمار الاصطناعية من سماءها لمراقبة أي تحركات في تلك المنطقة فضلاًًًً عن طائرات الاستطلاع التي كانت تجوب تلك الاجواء بحثاً عن القواعد دون جدوى، حتى وصل الحال بشوارسكوف القائد الميداني الاعلى للقوات المسلحة الامريكية المعتدية بالقول(نحن نفتش عن قواعد إطلاق الصواريخ في الصحراء العراقية وكأننا نفتش عن ابرة في كومة قش) والله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه الكريم (وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم  لايبصرون) صدق الله العظيم.

وإذا كان مشروع الشرق الاوسط الكبير قد بدأ بكلمة ومصطلح لفظي فاليوم يتكرر الموقف فيكرر العرب ما تـداوله الاعلام العالمي منذ سنوات مضت لمصطلح الارهاب، ككناية لمفهوم الغلو والتطرف والعنف او الاعتداء على الاخرين ولعله المصطلح الاكثر تداولاً منذ تربع الولايات المتحدة الامريكية على عرش القطبية الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان يمثل طرف الشد الثاني في معادلة التوازن الدولي.

 

 

 

 


 

* ورد في صورة الفاتحة (المغضوب عليهم) بالاشارة إلى اليهود

 

 

فالكلمة الانجليزية (Teorist) يقابلها باللغة العربية استخدام العنف في الاعتداء. فلماذا إذن تم ترجمة هذا المصطلح الانكليزي الى (الارهاب)؟! بدلاً من (العنف)؟!

يبدو ان الموضوع مشابه لما ورد في مصطلح (الشرق الأوسط) فيبدأ بتعويد اللسان العربي عليه ليكون مستقبلاً واقعاً مفروضاً على المستوى الفكري والعقائدي والثقافي.

فالارهاب لغة واصطلاحاً، يأتي بمعنى (الردع) وليس بمعنى الاعتداء او العنف.. والردع يستهدف منع الخصم من تنفيذ نواياه العدوانية بل يعني تهيئة مستلزمات القوة واعدادها لاخافة الاعداء ومنعهم من الاعتداء.. وهكذا جاءت الآية القرآنية الكريمة (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) وفيها امر صريح وواضح من الله عزوجل (بالأعداد للقوة) وان عدم الاعداد يأتي بمعنى عدم إطاعة امر الله والخروج عن النهج الاسلامي و(القوة) التي جاءت في الآية الكريمة مطلقة غير محددة بكونها قوة عسكرية سياسية، اقتصادية، او غيرها ولذلك فان الاعداد للقوة بغية ارهاب العدو تأتي بمعنى تهيئة مستلزمات الردع للاعداء وليس بمعنى الاعتداء على الآخرين بل ان الله عزوجل نهى عن هذا الاعتداء في سياق تعليمه لنا سبحانه في محكم كتابه الكريم عن الجهاد بمعنى القتال بقـوله تعالى (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولاتعتدوا ان الله لايحب المعتدين).

وعودة الى الاهداف الصهيونية الاستراتيجية، والى الخلف قليلاً لنستذكر ذلكم الساسة والمستشارين الصهاينة الذين ادلوا بدلوهم في اعتبار (الاسلام) هدفاً مركزياً لهم بعد انتهاء شبح الحرب الباردة بين المعسكرين وانهيار الكتلة الشيوعية.

نعم الاسلام بعينه، بقيمه المثلى، ومثله العظمى، ومبادئه السامية، فلجأوا الى تبني ترجمة المصطلح الانجليزي (Teorrism) الى الارهاب ولصقه بالاسلام لكي يغرسوا في نفوس الاجيال العربية ان هذه الكلمة وهذا المفهوم يجب الابتعاد عنه لانه يخالف المبادىء الانسانية والاخلاقية والحضارية وبمرور التقادم الزمني لترسيخ هذا الفكر الماكر سيؤول الحال (من وجهة نظرهم) الى الابتعاد عن (الاعداد للقوة) الوارد في الآية الكريمة.

وإذا كانت الصهيونية تعتمد المكر والخديعة والخبث نهجاً لها في تعاطيها مع كل المواقف والسياسات الدولية، فإنها بحق قد ابدعت في مكرها باختيارها الوسيلة والاسلوب لتحقيق هذا الهدف الخطير في تحطيم وتهديم وتهشيم اواصر الاسلام الاساسية ومرتكزاته او على الاقل تهميش دوره البناء في شتى مجالات وشؤون الحياة، كدين للايمان، وللسماحة ، وللعدل والانصاف والخلق الرفيع.. فالوسيلة والاداة التي اعتمدتها الصهيونية هي أمريكا، فرعون العصر الحديث ويدها الطولى لتنفيذ مخططاتها، اما الاسلوب الذي تبنته فيدخل من باب (الارهاب) كمصطلح بديل عن (العنف) والاعتداء وفي ذلك مكر خبيث.. وللتذكير فقط فإن كلمة (العنف) لم تأتي او ترد في القرآن الكريم اطلاقاً بينما ورد (الارهاب) بمعنى الردع وورد في آية أخرى تخص اليهود في قوله تعالى( لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله) ولم يرد الإرهاب كصفة للمسلمين في القرآن الكريم سوى في هاتين الآيتين الكريمتين وفي ذلك خلطً للاوراق ودمج للمفاهيم وتغليف للحقائق وتزييف للامور في سعي خبيث وحثيث لابعاد فكرة الردع وتهيئة متطلبات القوة عند العرب والتفرد بها لهم وحدهم .. وهذا يعني بالطبع الانسياق والانجرار الى المشروع الصهيوني والاستجابة التامة له والخضوع لاهدافه بعد التخلي عن كل متطلبات القدرات الدفاعية او الردعية.

إن ما ورد من تلاعب بالالفاظ كخط شروع اولي لتحقيق كامل المؤامرة ضمن سقف زمني محسوب، إنما يأتي متوافقاً مع الهدف النهائي، فالصهيونية التي وجدت في بعض المظاهر السلوكية غير المقبولة وغير السوية وغير المعبرة عن اصول وشعائر وقيم ديننا الحنيف لبعض المتطرفين سبيلاً للتعميم والتضخيم ولصق التهم بالاسلام والمسلمين باطلاً، إنما تنطلق من قواعد المكر والخديعة (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).

ولعل التلاعب بالالفاظ يأتي ايضاً بالتوافق مع كثير من المفردات اللغوية التي ترجمها الاعداء بدقة لتحقيق اهدافهم، فكان مصطلح (الاستعمار) واحداً منها، وهي الكلمة التي يتم تداولها باللغة الانكليزية (Colonialism) والتي تعني (الاحتلال العسكري) والمأخوذة من كلمة (colonel) اي رتبة (عقيد) العسكرية.

إذن لماذا ترجمها الاعداء لنا بـ(الاستعمار)فأخذنا نرددها خلفهم فيما خططوه لنا؟!.

ان الاستعمار في اللغة جاءت من (الاعمار والتعمير) مثلما جاءت الاستثمار من (الثمرة) والاستغلال من (الغلة) والاستفهام من (الفهم) والاستمكان من (المكان) وغيرها.. وفي ذات السياق فالغاية تكمن في ترسيخ الفكرة عند الاجيال بقبول فكرة الاحتلال العسكري.. اي بمعنى ان هذا المحتل جاء ليعمر بلدكم ليس إلا؟!!.

إذن .. خطة استهداف واحتلال العراق لم تكن وليدة المتغيرات المعاصرة التي سعت وتسعى كل الوسائل الإعلامية والحرب النفسية لإظهارها على انها جاءت كرد فعل ونتيجة لاحداث ومواقف آنية ومرحلية، بل هي خطة قديمة قد يرجع تاريخ اقرارها الى منتصف السبعينات من القرن الماضي (القرن العشرين) وان ماجرى في الحرب والاحتلال في آذار ونيسان من العام 2003م لم يكن سوى عملية انتهاز للفرص المواتية المنسجمة مع المخطط بعد الانصياع المبكر والسريع (للبعض من أبناء جلدتنا (العرب) ابتداءً من حكوماتهم، لهذا المخطط بل تبني البعض له دون اي وازع اخلاقي او قيمي او ديني او عروبي او حتى فكري ونفسي يردعهم عن ذلك.. فاستمر المخطط في تسارعه ليوافق الكونغرس الامريكي على اصدار قانون خاص باحتلال العراق، اسموه (قانون تحرير العراق) ولعل المكر والخديعة والتلاعب بالالفاظ جعلهم يبدلون كلمة (الاحتلال) بـ(التحرير) ليصدر اول قانون في تاريخ البشرية يقفز على الاعراف والاخلاق ومنظومات القيم الانسانية من قبل دولة ضد دولة مستقلة ذات سيادة وعضو في المنظمة الدولية.!! فما هو الاساس الذي استند اليه استحصال موافقة الكونغرس لاصدار هذا القانون؟

لقد جاء هذا القانون استجابة لمقترح تقدمت به المخابرات المركزية الامريكية ضمن تقرير موسع يشير في احدى فقراته الاساسية الى انه، وبعد تزايد ما يسمى بعمليات (الارهاب) في منطقة الخليج العربي، فإن تدمير ناقلة نفط عملاقة واحدة في مضيق هرمز كافٍ لايقاف تدفق ضخ النفط الخليجي الى الموانىء الامريكية والاوربية لمدة قد تتجاوز الاربعة شهور. وان هذا وحده يفي للتفكير بايجاد (بدائل).

ولعل هذه البدائل غير متوفرة الا في الحصول على النفط من خلال موانيء البحر الابيض المتوسط والبحر الاحمر، وهذه الموانيء يصلها النفط من خلال تلك الانابيب الممتدة عبر الآف الكيلومترات من المنابع العراقية الى موانيء جيهان التركي، بانياس السوري، وحيفا الفلسطيني على البحر المتوسط وميناء ينبع السعودي على البحر الاحمر. ولذلك اقترح التقرير ضرورة السيطرة العسكرية المباشرة على المنابع والانابيب لضمان تدفق النفط. وبالطبع هذا يفسر السيطرة الامريكية العسكرية المشددة على وزارة النفط العراقية فقط منذ يوم التاسع من نيسان ابريل عام 2003 عند احتلال بغداد دونها عن كل وزارات ومؤسسات الدولة العراقية التي بدأت عمليات النهب والسلب لمحتوياتها بتخطيط امريكي وتنفيذ المجاميع التي ساقوها معهم ، وفي مقدمة أعمالهم المخزية والاجرامية سرقة المتحف الوطني العراقي ، ولعل اول ما سرق منه تلك اللوحة البابلية القديمة التي هي (لوحة السبي البابلي) التي سارع اليها اليهود القادمون اليها مع العقدة القديمة التي مازالت حاضرة في اذهانهم من السبي البابلي الذي نفذه القائد العراقي (نبوخذ نصر) والتي دفعتهم أيضاً لتسمية عملية الهجوم على المفاعل النووي العراقي (مفاعل تموز للإبحاث النووية) في السابع من حزيران عام 1981م إبان الحرب العراقية الايرانية بسلاح الجو الاسرائيلي بعملية بابل (Babilon Operation) هذا السبي وتلك العقدة التي عرف اليهود ان الله عز وجل اشار لها في مطلع سورة الاسراء بمحكم القرآن الكريم وبشر المؤمنين بنصرهم على اليهود في نهاية المطاف بأولي البأس الشديد من أهل العراق في قوله تعالى (وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين ولتُعلن علواً كبيراً فإذا جاء وعد اولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا اولي بأسٍ شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا) في إشارة واضحة الى نبوخذ نصر والعراقيين الذين هاجموهم في عقر دارهم وحققوا السبي البابلي ثم يحدد الله عزوجل ثلاثة مزايا لليهود في الافساد الثاني والمتمثلة بقوتهم الاقتصادية والمالية وهم اصحاب المال والصيرفة والذهب في هذا العالم والميزة الثانية الاعداد الكبيرة من الرجال الذين تضمهم الصهيونية وهي شتات في عموم هذه المعمورة اما الميزة الثالثة القدرة على إعلان النفير والتحول السريع من الحالة المدنية الى حالة الاستعداد العسكري والجاهزية القتالية بقوله تعالى (وامددناكم بأموال وبنين وجعلناكم اكثر نفيرا) ثم يبشر الله عزوجل المؤمنين بنصرهم في الافساد الثاني (الكرة الثانية) في قوله تبارك وتعالى (فإذا جاء وعد الآخرة ليسيئوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه اول مرة وليتبروا ماعلوا تتبيرا) وبنظرة سريعة نجد ان الله سبحانه عطف (ليسيئوا)على أولي البأس الشديد أي ابناء العراق ومن ناحية اخرى وفي السورة المباركة نفسها يشير الله عزوجل الى ان هذا الامر سيجري بعد هجرة شتات اليهود من مختلف بقاع الارض الى ارض فلسطين بقوله (وقلنا من بعده لبني اسرائيل اسكنوا الارض فإذا جاء وعد الاخرة جئنا بكم لفيفا) صدق الله العظيم .. ووعد الاخرة هنا هو الافساد الثاني الذي هم عليه الآن بشروطه الثلاثة (المال والبنين والنفير).

هكذا إذن بدأت عمليات تسريع (إحتلال العراق) والذي جعلته الصهيونية العالمية ويدها الطولي (امريكا) بعد أن تربعت على عرش القطبية الدولية الواحدة دون منازع، واحداً من أهم أهدافها لتحقيق (ضمان آمن اسرائيل) و(السيطرة على النفط العراقي) ولذلك بدأت آلة الإعلام الصهيوني الانكلو امريكي وابواقها الدعائية من عملاء العرب بالتزييف والتغليف والتضبيب والتضليل والمكر والخديعة منذ اليوم الثاني لانتصار العراق في الحرب العراقية الايرانية والترويج لهذا الاتجاه.. وانتقال هذه الحملة الإعلامية الى واقع تطبيقي اجرائى عسكري غاشم في العدوان الثلاثي يوم 17/1/1991م فيما اسموه (عملية عاصفة الصحراء) الواسعة النطاق على العراق والتي حطمت البنية التحتية العراقية بصورة وبصيغة وبتأثير يكاد أن يكون تدميراً شاملاً حيث تم تهديم الأبنية الخاصة بمؤسسات الدولة والمصانع فوق مافيها من مرتكزات علمية ومادية وإدارية, بنفس الوقت الذي تم فيه استهداف محطات توليد الطاقة الكهربائية ومحطات تصفية المياه ومصافي النفط ومخازن ومستودعات الأغذية والمواد وكافة مواقع القيادة والسيطرة بضمنها جميع مؤسسات الأتصالات الهاتفية في عموم الدولة, وحتى مشاريع تربية الدواجن والأسماك والعجول والمزارع ومعامل حليب الاطفال وأسواق الخطار والجوامع والكنائس والمدارس والجامعات والجسور والعديد من بيوت المواطنين هذا بالطبع فضلاً عن التدمير الشامل والكامل لكافة المواقع العسكرية والأمنية لعموم العراق.. فضلاً عن أن قوات التحالف كانت قد كثفت من ضرباتها الجوية لتعطيل أجهزة البث الإذاعي والتلفازي العراقي ومحطات تقوية الإرسال في محاولة لتوجيه المواطن العراقي للإستماع إلى الإذاعات المعادية من أجل إخضاعه لتأثير الحرب النفسية...

ثم ماتلى العدوان من قرارات خانقة لمجلس الامن الدولي المسيطر عليه من قبل امريكا وفرض الحصار الشامل والكامل على كل مناحي الحياة ومفاصلها، وتواصل هذا الحصار بالخرق والاختراق للجسد العراقي وفرض مناطق حظر الطيران شمال خط العرض 36 وجنوب خط العرض 32 بقرار انكلو امريكي خارج نطاق الشرعية الدولية، وقيام طائراتها بالقصف اليومي المتواصل لانهاك القوى العسكرية البرية والجوية والبحرية العراقية يرافقه عدم حصول العراق على أية معدات عسكرية او مواد احتياطية او اسلحة جديدة، فضلاً عن التحطيم الكبير للمنظومة الاقتصادية والاجتماعية العراقية وطرح اهداف صريحة تلخصت بثلاثة هي:

1-  قتل الرئيس العراقي صدام حسين.

2-  تدمير الآلة الحربية العراقية.

3- جعل العراقي يكره ذاته (تحطيم منظومات القيم والمثل والمبادئ).

ورافقت كل ذلك تلك الحملات الإعلامية اليومية المركزة ذات النغمات والأهداف المتشابهة لتزييف الحقائق ومحاولة خلق آسفين كبير بين القيادة والشعب في الوقت الذي كانت تسعى فيه لتسويق قبول فكرة العدوان والاحتلال على المستوى الدولي . فأخذت الدعاية التضليلية اتجاهات التضخيم والتهويل لقدرات العراق مجدداً, بحيث جعلت العالم يقف مذهولاً أمام الطروحات الأمريكية – البريطانية. ومنها على سبيل المثال ما خرج به رئيس الوزراء البريطاني توني بلير من أن العراق قادر على استخدام اسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها خلال (45) خمس وأربعين دقيقة فقط. وتلك التي خرج بها وزير الدفاع الأمريكي من أن أحد قصور الرئيس صدام حسين يحتل مساحة تزيد عن مساحة واشنطن وهذا لا يمثل سوى قصر من قصور عديدة. أما وزير الخارجية كولن باول فكان قد خرج على الصحفيين وهو يحمل بيده قنينة زجاجية صغيرة تحوي مادة بلورية بيضاء ويدعي أن العراق يمتلك هذه المادة وهي (الجمرة الخبيثة)وأن استخدامها يكفي لقتل أكثر من نصف العنصر البشري الذي يعيش على هذه الأرض..    

وفي المنظور العسكري للحرب، فإن المعارك العسكرية تبدأ عادة بما يسمى (بالقصف التمهيدي), والقصف الاستراتيجي التمهيدي يشمل عمليات التجريد والتدمير التي تشنها طائرات سلاح الجو والمدفعية والصواريخ قبل بدء العمليات البرية, وعادة فإن هذا القصف لايستغرق طويلاً ويقاس بالساعات او بالايام وليس بالاشهر في الظروف والسياقات والقياسات التقليدية المألوفة، الا ان المرء يمكن ان يتصور حجم الاثر والتأثير الذي قام به القصف الاستراتيجي التمهيدي الانكلو امريكي على العراق قبل حرب عام2003م والذي استمر لمدة ثلاثة عشر عاماً متواصلاً بدون توقف او انقطاع ليشمل كل المرتكزات العسكرية والصناعية والاقتصادية وشلها قبل بدء العمليات البرية لتحقيق واقع الاحتلال.

وتضمنت تلك الفترة الطويلة من السنوات العجاف برنامجاً ستراتيجيا شاملاً تمكنت به قوى العدوان في تحقيق الكثير من أهدافها. فالوضع المعاشي للمواطنين بدأ بالتراجع, والأمراض بدأت ترهق المواطن دون قدرة للحصول على الدواء الشافي أو على السفر خارج العراق للعلاج, وبدأت الأمية تستشري في صفوف الأطفال والشباب الذي اندفعوا للعمل في مواقع بسيطة للحصول على لقمة العيش لهم ولعوائلهم فتركوا المدارس. وبدأت الهجرة خارج العراق لكثير من الكوادر العلمية والأكاديمية والاقتصادية والمهنية المختلفة طلباً للرزق.

وبالرغم من قيام القيادة العراقية بالكثير من الإجراءات الوقائية والعلاجية لهذه الاخفاقات, كاعتماد البطاقة التموينية في توزيع حصص الغذاء على عموم المواطنين بدون استثناء وبثمن بخس جداً أو بتنظيم حملات توعويه وإرشادية مكثفة أو بمحاولة خلق فرص عمل مواتية للجميع ودعم القطاع الخاص وتنشيطة وغيرها, إلا أن الثغرات كانت تأخذ بالتوسع في مختلف مناحي العمل الوطني. وبرزت بعض المظاهر الاجتماعية غير السوية مثل السرقة والتزوير والرشوة. إلا أنها وبكل الاحوال وبالمقاييس الصحيحة نسبة لحجم الضغط والمؤامرة والشدة, فإنها لم تكن تمثل إلا النزر القليل في عموم المجتمع العراقي الذي بقي متماسكاً. ولم تكن تلك المظاهر تمثل إلا الاستثناء عن قاعدة التماسك. وعادة فإن كل استثناء عن القاعدة يبدو زيفاً, أنه كبير وواسع, لأنه غريب ويجذب الانتباه والنظر.. وبالطبع فقد رافق هذه الثغرات بعض الأخطاء في شؤون إدارة الدولة والمجتمع. وعلى سبيل المثال فإن منظومة التأهيل والاعداد لكوادر الدولة كانت جيدة ورصينة واستمرت بعملها دون تأثير يذكر في تلك الظرف العصبية, إلا أن منظومتي (الانتقاء والتقييم) أُصيبت بالاختراق في بعض جوانبها, فتمكن بعض المنتفعين والمنافقين من تبوأ مواقع إدارية وقيادية في بعض مفاصل الدولة أدى إلى خلخلة جدية في مسارات إدارة شؤون روافد الحياة,بالإضافة إلى تحييد بعض العناصر الوطنية والعلمية والفكرية المخلصة والذكية.

وكان ذلك تحصيل حاصل لطبيعة الظروف القاسية والضغوط الشديدة التي مرت بالعراق في تلك الفترة ..ولعلها أخطاء وتغيرات تحدث في العديد من الدول المستقرة.. فكيف ببلد تكالبت عليه كل قوى الشر والظلام والعدوان لامد زمني ليس بالقصير.

وكانت دكتاتورية الإعلام الصهيو أمريكي تركز على تلك الثغرات والأخطاء وتضخمها وتجعلها (قصة العصر)الغريبة وأخذت تختلق الاكاذيب العجيبة, فمثلاً كان الأعلام يركز على أن الرئيس صدام حسين يمتلك قصراً أكبر بمساحته من مساحة واشنطن برمتها دون أن يسمح للقنوات الفضائية والمحطات الإذاعية بإعطاء الحقائق عن ما يجري في العراق من تطور وإصلاحات ذاتية في المجالات الصناعية والعمرانية والدينية والاجتماعية, ومن ذلك ما أمر به الرئيس صدام حسين من انشاء أكبر مسجد في العالم من حيث المساحة والعمارة, وحدد له موقفاً في مركزالعاصمة بغداد (بدلاً من مطار المثنى)والذي تتخذه القوات الامريكية اليوم موقفاً لها وكذلك إنشاء أكبر دار للأيتام في العالم على الإطلاق وأطلق عليه اسم (دار العراق) بعد أن تم تجهيزه بأحدث المباني والتجهيزات والآثاث والمسابح والمدارس والمنتديات والمساجد وبعد أن وضع له برامجيات تأهيلية خاصة ليستوعب كل من فقد حنان  الأمومة ورعاية الأب. كما أنه كان يلتقي يومياً وبعد صلاة الفجر مباشرة بـ(50) مواطناً عراقياً ليتلمس مشاكلهم ويعطي الحلول المباشرة لها... واستمر هذا الحال حتى يوم العدوان الانكلو- أمريكي على العراق في آذار / مارس /2003 ميلادية.

هذه حقائق التاريخ وليست عبارات للاستهلاك الإعلامي..  ومهما كانت وجهات النظر عن الرئيس صدام حسين والقيادة العراقية فإن الحقيقة التاريخية لا يمكن أن تشوه أو تحرف لأن شاهدها هوا الشعب. ولست هنا في مجال الدفاع عن شخص أو حالة أو ظاهرة معنية بقدر ما أقر شهادة حية وحقيقية, بنفس الوقت الذي أذكر فيه الأخ القارئ بأن نهج الغزاة ومنهج عملائهم عبر التاريخ هو نهج ومنهج محدد وموحد, فقلب الحقائق واستغلال الأخطاء والفرص وتبديل القناعات, كلها وسائل لتحقيق أهدافهم في السيطرة والهيمنة, وبدون تلك الوسائل لا يمكنهم من الوصول إلى غاياتهم..

 


 

التغيير في العقيدة العسكرية

 

 كل ذلك فرض على القوات المسلحة العراقية ان تقوم بتغيير استراتيجي وجاد في عقيدتها العسكرية.. فالوضعية الدفاعية الاستراتيجية التي كانت ترتكز الى الدفاع عن الحدود العراقية وعدم التفريط بأي شبر من ارض البلاد تبدلت بموجب الواقع الجديد بعد فقدان سلاح الجو والتغطية الجوية للقوات البرية بصورة تكاد ان تكون مطلقة فلا طائرات جديدة ولا قطع غيار للطائرات القديمة والعمر الافتراضي لسلاح الجو ولطيران الجيش (سلاح الهيلوكبترات) قد انتهى، وبالوقت نفسه فإن الجيل القديم من الصواريخ المضادة للطائرات ضمن اسلحة الدفاع الجوي هو الذي كان معتمداً في التصدي للطائرات الامريكية البريطانية المتطورة، ولاتوجد وسائل لمجابهة صواريخ كروز الموجهة والمتطورة سوى الوسائل البدائية البسيطة المتوفرة.

ولعل هذا الواقع فرض تبني عقيدة الدفاع على حافات المدن بدلاً من الدفاع على الحدود أو عنها.. فالناظر الى خريطة العراق يجد ان نهر الفرات من مدخله في الاراضي العراقية عند مدينة (القائم) على الحدود السورية وحتى مصبه في شط العرب عند (كرمة على) في القرنة يقّسم العراق الى منطقتين، فكل ماهو شرق النهر عبارة عن مدن سكنية ذات كثافة بشرية بينما كل ماهو غرب الفرات عبارة عن صحراء جرداء، قاحلة، واسعة، شاسعة، تمتد الى الحدود مع كل من سوريا، الاردن، المملكة العربية السعودية، والكويت.. وهي صحراء تخلو من كل مستلزمات الحياة ومن كل متطلبات الدفاع، فلا استار ولا اشجار ولا انهار ولامرتفعات تسمح باقامة مناطق دفاعية، وهي مكشوفة امام الاقمار الاصطناعية وطائرات الاستطلاع، ولذلك فإن اي انتشار للقوات المسلحة فيها وفق ظروف الامكانات التقنية المحدودة يعتبر انتحاراً امام القوات الجوية والصاروخية والاستطلاعية المعادية التي تمتلك اعلى درجات التكنولوجيا.

ووفق هذا الواقع المفروض والمرفوض تبنت العقيدة العسكرية العراقية مبدأ الدفاع على حافات المدن كخط أول للقاء القوات المهاجمة المعتدية وذلك ببساطة يعني ان مجرد التخلي عن الخط الأول تبدأ العمليات الحربية داخل المدن.

وبعد ان توضح الهدف المعادي باحتلال العراق، سعت القيادة السياسية العراقية اولاً لتجنب الحرب من خلال الوسائل والاساليب الدبلوماسية والسياسية فاعتمدت على الاستجابة لكل القرارات الدولية. وفتحت قنوات دولية متعددة لتوضيح الاهداف العدوانية للمخطط الصهيوني كما فتحت كل ابواب العراق ومؤسساته العسكرية والاقتصادية والتصنيعية والاجتماعية، وحتى السيادية منها الى فرق التفتيش التي صالت وجالت ودققت وحققت في كل صغيرة وكبيرة، دون ان تجد شيئاً يمكن ان ترتكز إليه في تسويغ وتبرير احتلالها للعراق. وبعد ان تيقنت القيادة العراقية بأن لا خيار لها الا القتال تبنت منذ منتصف التسعينات عقيدة الدفاع على حافات المدن خاصة وانها بدأت تلمس بشكل لايقبل الشك بأن بعض الدول العربية المحيطة بالعراق فتحت ابوابها واجوائها للحشد الاستراتيجي العسكري وتدفق القوات الامريكية والبريطانية وحليفاتها الى اراضي العراق. ولذلك رسمت استراتيجية العراق العسكرية على اساس الحرب الشعبية الشاملة ويمكن في هذا الامر استذكار واستحضار بعض من الاجراءات المتخذة لتهيئة متطلبات هذه الاستراتيجية.

فلماذا كانت القيادة السياسية العراقية بكل مفاصلها ومواقعها الوظيفية المختلفة وبكل مستوياتها القيادية ترتدي الزي العسكري منذ اواسط التسعينات وحتى العدوان الامريكي العسكري الغاشم لغزو العراق؟

ولماذا كان الامر المركزي يؤكد على تدريب اعضاء القيادة العراقية كافة دون استثناء على السلاح وفنون القتال والرمي بغض النظر عن العمر والموقع القيادي والوضع الصحي ابتداءاً من نائب رئيس الجمهورية نزولاً الى وزراء الدولة كافة؟

ولماذا كانت التقاليد والمخاطبات والمكاتبات العسكرية هي السائدة، بل المعتمدة في إدارة شؤون الدولة والمجتمع؟

ولماذا كان الطلبة من الجنسين يمنحون خمس علامات اضافية على معدلاتهم لكل من يجتاز بنجاح الدورة العسكرية التدريبية التي كانت تقام للجميع في العطل الصيفية والتي تشمل التدريب على السلاح وفنون القتال والرمي؟

ولماذا أسس جيش القدس ليضم اكثر من سبعة ملايين عراقي، ولماذا شكلت تنظيمات شعبية خاصة مثل فدائيو صدام واشبال صدام) وغيرها؟

ولماذا تم توزيع الاسلحة على عموم الشعب، فلا يخلو بيت واحد من بيوتات العراقيين دون قطعة سلاح او اكثر؟ بالرغم مما كانت تشيعه الحرب النفسية الامريكية من ان القيادة العراقية كانت معزولة عن الشعب وتخشاه مما يستوجب من حيث المنطق لو صحت النظرية الامريكية ان تمنع القيادة امتلاك السلاح من قبل ابناء الشعب!

إن الاجابة على هذه الاسئلة وغيرها تؤشر ببساطة منظومات التأهيل الاحترازية والدفاعية والوقائية التي اعتمدتها القيادة الوطنية العراقية لمجابهة الخيار الامريكي في الغزو.. فغزو العراق اضحى في حينه ومنذ منتصف التسعينات امراً محتوماً في منظور القيادة العراقية ولعله اصبح مؤكداً بعد ان اصدر الامريكان (قانون احتلال العراق) كما ان القيادة العراقية لم يكن لها خيار واحد الا واعتمدته لتجنب هذه المؤامرة الصهيونية الشرسة دون الاخلال بما تمتلكه من مبادىء وطنية وتلتزم به من مبادىء قومية كبرى والتي تحملتها وحملتها سواء في مجال الحفاظ على مستوى الاستقلال الوطني او على مستوى تبني الدفاع عن القضايا السياسية المركزية للامة والتي يمثل محور فلكها القضية الفلسطينية، فلا استجابة للضغوط في قبول المداهنات والمهادنات، ولاقبول لطروحات التطبيع والتطويع بل على العكس كان الرئيس العراقي صدام حسين قد اعتاد على ترديد شعار (عاشت فلسطين حرة عربية ابية من البحر الى النهر)، في نهاية كل خطاباته كما تجسد هذا الشعار في الدعم المادي اللامحدود للشعب الفلسطيني بالرغم من الحصار الاقتصادي الشامل الذي كان يعيشه العراق بل تجاوز الامر في ان تحركت (5) خمس فرق عراقية من الجيش والحرس الجمهوري باتجاه الحدود السورية للتمركز هناك بعد تأجج انتفاضة الشعب الفلسطيني البطل في العام 2000م وبعد ان قامت كافة فرق الحرس الجمهوري العراقي بإجراء مناورات عسكرية على مناطق مشابهة للاراضي السورية المجابهة للقوات والمستوطنات الاسرائيلية.

وبمرور سني الحصار والظلم والقساوة والمرارة والالم والشدة والضغط المتواصل التي مارستها امريكا وبريطانيا ضد العراق يومياً توضح للقيادة العراقية بان لا خيار الا في خوض القتال ضد الغزو القادم لا محالة بالرغم من الفارق التقني الهائل في الجانب العسكري على مستوى الاسلحة والقدرات بين اكبر قوة عسكرية عالمية وبين قدرات دفاعية محدودة قيدتها ظروف الحصار الشامل واضحت لاتتعدى اسلحة قديمة متعبة مع بعض التحسينات، او الفارق في الجانب الاقتصادي بين اقوى قوة اقتصادية عالمية وبين بلد محاصر لايدخل اليه سوى الغذاء والدواء وبنزر لايكفي حتى الحد الادنى من المستلزمات والامكانات الطبية في العلاج والقيمة الغذائية لما يصل إليه، و الفارق في الجانب المعلوماتي بين القوة الغاشمة التي تمتلك الاقمار الصناعية والمركبات الفضائية المتخصصة في جمع المعلومات الدقيقة وطائرات التجسس من نوع (يو- تو) التي كانت تجوب سماء العراق وتمسح ارضه يومياً وتسجل كل متغيراتها وبين الطرف الذي لايمتلك حتى امكانية تسيير طائرة استطلاع واحدة لجمع المعلومات او تأمين التغطية الجوية ولو بصورة محدودة للقطعات البرية.

ومن المعطيات والمتناقضات المشار لها، وبموجب هامش المحدودية في الخيارات المتاحة امام القيادة العراقية في خوض هذا الصراع الخطير، فضلاً عن التسهيلات التي تقدمها الارض لصالح القوات الغازية حيث الصحراء الغربية العراقية الممتدة من غرب الفرات الى الحدود السورية والاردنية والسعودية والكويتية، فكان لابد للقيادة العراقية ان تلجأ الى اعتماد استراتيجية قبول الحرب على حافات المدن وداخل المدن نفسها، فتضحي القيادة بموقعها الوظيفي الرسمي وبكل مفاصلها لتشتبك هي وشعبها وقواتها المسلحة وتنظيماتها الجماهيرية القتالية مع القوات الغازية داخل مدن العراق بغية تحييد القوى المادية المتفوقة سواء في ما تمتلكه القوات الغازية من اسلحة دمار شامل او الصواريخ الموجهة عابرة القارات او الطائرات القاصفة والمقاتلة او طائرات الهيلوكبتر المقاتلة المتطورة او الدبابات الحديثة، وغيرها لتضع قوات الغزو في مستنقع هش وتجعل افرادها في وضع واهن يسهل به اصطيادهم ضمن استراتيجية حرب شعبية مقاومة منظمة وقيادة كفوءة وهذا ما يفسر نشوء المقاومة يوم 11 نيسان/ ابريل2003م  حيث عقد المهيب الركن صدام حسين القائد العام للقوات المسلحة اجتماعات للقادة السياسيين والعسكريين واوضح فيه عن بدء الصفحة الثانية من الحرب والانتقال الى الحرب الشعبية التي سبق وان تم التخطيط لها والتدريب عليها وتهيئة مستلزماتها، وذلك حسبما ذكره الرئيس الاسير صدام حسين عن طريق محاميه خليل الدليمي في اول لقاء له معه أي التواصل في القتال دون توقف كما يفسر الخسائر الهائلة التي وقعت في صفوف الغزاة.. ولذا فإن عمل المقاومة العراقية الشعبية لم يكن سوى انتقال من حال الى حال وليس سقوطاً او احتلالاً بالمعاني العامة المتداولة.. فالقتال العراقي بعد دخول وانتشار القوات الغازية في عموم جغرافية العراق بمدنه وقصباته اضحى باحسن حال، فالفارق التكنولوجي الذي كان سائداً خلال العشرين يوماً الاولى من الحرب ابتداءً في ليلة 20/ 21 آذار/مارس 2003 وحتى احتلال العاصمة بغداد يوم 9 نيسان/ ابريل كان لصالح القوات الامريكية حيث دقة الرمي (عن بعد) لعموم اسلحتهم وكثافة هذا الرمي دون امكانية التصدي للطائرات والصواريخ والدبابات بمديات الاسلحة العراقية المحدودة المتوفرة، وعلى سبيل المثال فإن طائرة الاباتشي الامريكية كانت تعادل (فرقة مشاة) عراقية كاملة بمستوى كثافة ومدى ودقة الرمي، فلهذه الطائرة القدرة على معالجة ثمانية اهداف متنوعة او متشابهة في آن واحد، وبمدى لايقل عن(10-12) كيلومتراً بعد سحب هذه الاهداف بواسطة حاسبة الكترونية ومشاهدتها بدقة على الشاشة بمسافة سنتمترات عن عين الرامي في الطائرة وبدقة رمي عالية جداً.. وليتصور المرء اعداداً كبيرة من هذه الطائرات في هجوم بآن واحد على جبهة محددة وضيقة، وبالطبع فإن هناك ارتباطاً ملاحياً بين هذه الطائرات وبين دبابات (ابرامز) واتصالات كفوءة لتوجيه هذه الدبابات الى اهدافها بدقة فضلاً عن التحسينات التي اجريت على تدريع هذه الدبابة وانسيابية شكلها لكي لا تخترقها قاذفات (الاربي-جي-7) الروسية الصنع حيث تؤمن للجندي الامريكي التحصن داخل هذه الدبابة بنسبة امنية عالية فضلاً عن المدى البعيد التي يتمتع بها مدفع الدبابة للاشتباك.

وبالرغم من كل هذا المستوى من التكنولوجية العالية إلا أن القوات العراقية والمقاومة الشعبية كانتا قد تمكنتا خلال أيام الاصطدام قبل الاحتلال من تحقيق الكثير من النتائج والنجاحات، وعلى سبيل المثال فإن طائرة الأباتشي التي أسقطها أحد الفلاحين العراقيين ببندقيته القديمة نوع (برنو) كانت واحدة من الدعم والمدد الإلهي للعراقيين، حيث تمكن (علي منقاش) من اسقاطها بإطلاقه واحدة رماها بإذن ربه القائل ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى).. وللمعلومات فقط فإن هذه الطائرة التي هبطت في أرض المعركة بفعل المقاومة كانت صالحة ووجدت في مقصورتها زجاجة الويسكي التي كان يتناوله منها الطيار ومساعده مع حقيبة لأقراص مرنة تحوي أفلاماً إباحية إنسجاماً مع تقديراتهم بأنهم ذاهبون الى نزهة.

وتصدت القوات المسلحة العراقية في عموم قوطع العمليات الحربية لقوات الغزو بكل بسالة وشجاعة وكبدتها خسائر كبيرة وقاومتها بعنف طيلة أيام الصدام المسلح النظامي وفق مامخطط لها على العكس مما كان يذكره الإعلام المركزي الامريكي – الصهيوني الذي أنتهج مبدأ (الديكتاتورية) المطلقة في إدارته لشئون الحرب دون أن يسمح لأي محطة فضائية أو مراسل حربي أو صحيفة تدلي بأي معلومات معاكسة لما يريده هذا الإعلام. ومعركة المطار كانت خير دالة على الفعل العسكري العراقي الذي دمر القوات الامريكية بصورة كاملة لجولتين متتاليتين حتى استخدم الامريكان بعدها تلك الاسلحة الفتاكة التي صهرت الدبابات العراقية ونزعت جلود الشهداء عن عظامهم. 

وإذا أخذنا الواقع الذي جرى بعد الاحتلال فإن الجندي الامريكي ودباباته وطائراته الهيلوكبتر اصبحت ضمن متناول يد (المقاوم) العراقي الذي نزع بزته العسكرية وبدأ ينتقي المكان والاسلوب والنمط والسياق والاتجاه والوقت الملائم ليقنص الدبابة والناقلة والجندي الامريكي الذي اضحى يعيش في بيئة عدائية وبملابس وتجهيزات ثقيلة تحد من حركته ومناورته، ناهيك عن الاحباط المعنوي الذي اصيب به الجنود الامريكيون بعد ان ظللتهم المخابرات الامريكية المستندة على معلومات الخونة والعملاء باشعارهم بأنه سيتم استقبالهم من قبل العراقيين بالورود والتحية، بل انها اقترحت توزيع اعلام امريكية صغيرة باعداد كبيرة الى الشعب العراقي للتلويح بها للجيش الامريكي عند دخوله المدن العراقية باعتباره (جيشاً محرراً) على ان يتم المباشرة بتوزيع هذه الاعلام في منطقة (الناصرية) التي شهدت أشد مقاومة ضد الجيش الغازي.

وإذا ما أخذنا معطيات الصراع بمستواه الاستراتيجي العام وبموجب الفارق الهائل بين قوتي وطرفي الصراع سواء في الامكانات العسكرية او في الامكانات التكنولوجية، أو الفارق في الجوانب والامكانات الاقتصادية، او المعلوماتية التي سبق الاشارة لها، فإنه يمكن القول ان امريكا بعد تربعها على عرش القطبية الدولية وتفردها بميزان القوى حققت اختلالاً خطيراً بالتوازن على مستوى المعمورة. ولعل الله عزوجل شاء بإرادته سبحانه ان يدحر هذا الجبروت بالمستنقع العراقي بعد هذا التجاوز لحدود الله تعالى حيث خلق الكون والدنيا بتوازن مستمر، فسبحانه في بدائع خلقه، وحيث جعل الكون متوازناً لايشوبه خلل او زلل فتتحرك مكوناته على وفق المسارات التي حددها رب العزة دون ان تحيد او تنحرف (وكل في فلك يسبحون) وسبحانه في روائع شأنه، حيث جعل هذه الارض وما عليها ترتكز على التنوع والتوازن، لتستمر فيها الحياة حتى يأذن الله تعالى بقيام الساعة، فتجد الخير والشر، الصيف والشتاء، الليل والنهار، وغيرها تتناقض في إطار هذا التوازن دون تفرد احداهما على الاخرى.. سبحانه عزوجل حين وصف الانسان خير خلقه على هذه المعمورة بأجل وأجمل وصف (لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم).. فهل يصح تصور اختلال توازن القوى التي تحكم حركة هذا البشر دون تدخل العناية الالهية لإعادة التوازن الى مساره الصحيح؟؟.. حاشا الله احسن الخالقين..

إرادة الله أقوى من إرادة امريكا وإذا ما تصفحنا صفحات (التاريخ) لوجدنا ان كل الحقب الزمنية التي مربها كانت قد شهدت توازناً في القوى الدولية دون تفرد الا في زمن (فرعون) بعدما تربع على عرش القطبية الدولية الواحدة، وتفرد امريكا في زمننا الحالي.

وإذا ما قارنا مزايا كلتا القوتين لوجدنا تشابهاً عجيباً، ففرعون كان يمتلك اقوى القوى العسكرية، الاقتصادية، التكنولوجية، والمعلوماتية على وجه المعمورة في زمنه وكذلك امريكا اليوم.

فالقوة العسكرية الفرعونية نجدها في وصف الله تعالى (وفرعون ذي الاوتاد) ولعل هذه الدقة في الوصف وهو خير الواصفين سبحانه، تضعنا أمام حجم وقوة وتأثير تلك القوة العسكرية الكبيرة، فالاوتاد هي دلالة على خيم العسكر التي تثبتها في الارض هذه القوة العسكرية التي تماثلها القوة العسكرية الامريكية في عصرنا الراهن.

وفيما يخص القوة الاقتصادية في زمن فرعون، فيكفي الاشارة الى ما اشار له الله تعالى في مثل واحد لذلك العصر عن قارون وما أوتي من كنوز واموال فضلاً عن الاهرامات ودلالات ما تحتويه من اموال وذهب والتي دفنت مع الملوك الفراعنة في تشابه مع ما تمتلكه امريكا اليوم من قوة اقتصادية هائلة لإدارة شؤونها الاستراتيجية والحياتية.

اما القوة التكنولوجية الامريكية التي فاقت كل التصورات العقلية فيما هي عليه الآن من قدرات تأثيرية هائلة تمثلت باختراق الفضاء وبدك صواريخ الكروز لأهدافها بدقة متناهية من على بعد ثلاثة الآف كليومتر فضلاً عن القدرات الفضائية الإعلامية التي جعلت هذا العالم الفسيح اشبه ما يكون (بقرية صغيرة) حسب ما يصفون وغيرها من التقنيات التي افضل وصف لها (أنها كأنها سحر) أو السحر الذي أذهل العقول فما بالك إذن (بالسحر)ذاته.. وكيف إذن كان حال سحر الساحرين في زمن فرعون والذي لايمكن لتكنولوجية امريكا ان تفوقه او تتفوق عليه. ولعل مشيئة الله تعالى في منح موسى عليه السلام (العصا) لتلقف ما يأفكون خير دليل على قوة هذا السحر وتكنولوجيته.. قال تعالى (وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم).

وفيما يخص القوة المعلوماتية التي تتبجح بها الولايات المتحدة الامريكية في قدرة اجهزة مخابراتها في كشف المعلومات والاستار فإنها لايمكن ان تضاهي ماكانت عليه هذه القوة في زمن فرعون التي كانت تأتي بكل طفل يولد بعد ان أشار الكهنة الى رمسيس السادس بأن هناك من يولد في عصره له شأن ومسبّب في ازاحة ملكه.

ولعل هذه القوى هي التي جعلت فرعون يعيش في بحبوبة احلامه وخياله، وقدراته، فنسي وتجاهل قدرة الخالق عز وجل، فأعلن بأن (انا ربكم الأعلى)، تماماً مثلما فعلت امريكا وفق ذات السياق بتبنيها صفة (الحاكم الناهي) لهذه المعمورة واطلاق بوش لمبدأ (ان من ليس معنا فهو ضدنا وعدونا).. فلا مشكلة في هاييتي ولامعضلة في رواندا. ولا قرار وطني في فنزويلا ولا قضية في السودان، ولا إعلان رسمي في ماليزيا، ولا اطلاق حكم في اليابان إلا وهي صاحبة الشأن والقرار فيه!!! إذن فكلاهما، الامبراطورية الفرعونية والامبراطورية الامريكية عملتا على الاخلال بالتوازن الذي جعله الله تعالى نهجاً ومنهجاً ثابتاً لهذه الحياة الدنيا.

وباخلال فرعون، تدخلت العناية الإلهية لإعادة الامور الى نصابها، والله عزوجل قادر على ان يزلزل الارض تحت اقدام فرعون وامريكا وكل من يتجاوز على حدود الله، ولكنه عز وجل يعطينا الدرس والعبرة في حكمه ويختبر عباده في البلاء والصبر، وينتقي من عباده من يوكل له المهام الصعبة في هذا الاختبار.

ولذلك فقد انتقى سبحانه سيدنا موسى ليقوم بمهمة ايصال الامبراطورية الفرعونية الى حضيض الانحدار والاندحار.. ولماذا موسى عليه السلام؟ انه من أولي العزم، وهو القوي في عصره، فقبل نبوءته وصف الله لنا قوته، وهو احسن الواصفين في الاشارة الى انه تسبب في قتل شخص بمجرد (وكزة) واحدة!. فأمره الله تعالى بعد نبوءته للذهاب الى فرعون (إذهب الى فرعون انه طغى). واسنده سبحانه بتلك العصا التي تلقف ما يأفكون، ودعمه بأخيه هارون الذي يقدم الدعم المعنوي والتشجيع وطرح الحجة لفصاحة لسانه.

وجعل الله عزوجل فرعون بعد ذلك آية ونموذجاً لانهيار الطغيان والجبروت الى يوم الدين حيث حفظ الله تعالى جسده كاملاً،عبرة لكل من تسوّل له نفسه تجاوز حدود الله والاعلان بانه الاعلى على الناس والاختلال بتوازن هذه المعمورة (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وان كثيراً من الناس عن اياتنا لغافلون).

إذن فالله تعالى ينتقي من عباده من يشاء وباختيار دقيق ومتقن لتولي دحض الطغيان واقرار التوازن كما كان.

فهل طغيان امريكا اليوم دخل مدخل فرعون نفسه.. وهل آن لها الاوان لتنحّط وتضمحّل بعد هذا الجبروت.. وهل ان اعتداءها على العراق واحتلاله حدد خط شروع انحدارها السريع بعد ان انتقى الله أهل العراق الذين وصفهم سبحانه في مطلع سورة الأسراء بأنهم (أولي بأس شديد) واسندهم بعنايته الالهية لتكون ارضهم مستنقعاً لجيوش امريكا، وسلاحهم قاتلاً لها، وإيمانهم متحدياً لها؟!.

ومن هذا التصور، وبموجب معطيات الواقع لجأت القيادة العراقية ومنذ منتصف التسعينات من القرن الماضي وبعد تيقنها بأن الوضع السياسي الدولي والاقليمي في غير صالح العراق، وان دول الجوار بالرغم من (عروبتها واسلامها) إلا انها لاتقدم أي دعم، بل أن بعضها سيكون ممراً آمناً لقوات الاحتلال، لجأت الى العقيدة الدفاعية على حافات المدن كما اسلفنا وتبنت عقيدة معنوية ايمانية ترتكز الى العقيدة الدينية الاسلامية في حشد القوى المادية والمعنوية للتهيوء لمجابهة هذا الغزو القادم المحتوم، وبالاسناد الى مبدأ الامة المقاتلة والنفير كأساس لدخول مثل هذا الصراع المسلح ومثلما ثبتته العقيدة العسكرية العربية الاسلامية في صدر الاسلام وعبر ثمانين عاماً من القتال المتواصل حتى تم النصر في رفع راية الاسلام على ربوع الاراضي الشاسعة والواسعة في هذه المعمورة في المناطق التي تمتد من سيبريا شمالاً والى المحيط الهندي جنوباً ومن الصين شرقاً إلى فرنسا من الغرب.

ووفق ذلك، بدأت عملية الإعداد المعنوي والنفسي والايماني لعموم القوات المسلحة والشعب، يرافقها اعداد تسليحي وتدريبي وتنظيمي لعموم قطاعات الشعب. ففي الجانب المعنوي تم تبني حملة ايمانية وطنية كبرى للتثقيف الديني على اساس القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة الى عموم المراحل الدراسية في برنامج دقيق وتدريجي ومتواصل لتكون الدروس الدينية من الدروس الاساسية في حفظ وشرح آيات وسور القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف في السعي لخلق جيل واسع من الشباب ممن يحفظون القرآن الكريم بعد تجاوزهم لمرحلة الدراسة الثانوية. كما صدرت الاوامر المشددة بمنع تناول الخمور بكافة انواعها في المحلات العامة والفنادق والنوادي وغيرها حتى بالنسبة للاجانب ولمنتسبي الهيئات الدبلوماسية المعتمدة وبدون استثناء، بل ان المخالف يتعرض الى عقوبات قاسية تصل الى الحبس لمدة ثلاث سنوات او اكثر، كما حرم على التلفزيون العراقي عرض اية لقطة تتنافى مع الاخلاق والقيم الاسلامية السامية، فتقوم اجهزة الرقابة الاعلامية باقتطاع اللقطات الخاصة باحتساء الخمر او ارتداء الملابس الخليعة او (القبلة) بين الممثل والممثلة في المسلسلات والافلام، بالوقت نفسه الذي تم فيه منع تداول اجهزة الاستقبال التلفازي الفضائي ومحاسبة من يخالف ذلك مع اعتماد (14) محطة قناة فضائية عربية واجنبية منتقاه ومسيطر عليها مركزياً لهذا النوع من البث والاستقبال الفضائي للإطلاع على ثقافات الاخرين وانماط حياتهم.

كما تم التركيز على القيادات الحزبية والسياسية في ادخالهم دورات دينية لتلقي العلوم الخاصة بالقرآن الكريم والحديث الشريف واصول الدين والفقه وغيرها لمدة ستة اشهر متواصلة لتحقيق التوازن والتفاهم بين القيادات والقاعدة ضمن هذا التوجه، وبالوقت نفسه تم اعتماد مبدأ اطلاق سراح المسجونين الذين يتمكنون من حفظ سورة البقرة أو السور الطوال او القرآن الكريم برمته وفقاً لطبيعة الجريمة المقترفة ومدة الحكم فيها، فضلاً عن تفاصيل كثيرة أخرى، لعل منها على سبيل المثال عدم جواز تقديم طلب مكتوب في كل مفاصل الدولة دون ان يكون مسبوقاً (بالبسملة) وآية قرآنية كريمة أو حديث نبوي شريف ذا صلة بموضوع مضمون الطلب لتعميق تدريب وتأهيل ابناء الشعب وشرائحه المختلفة على هذا الاتجاه، وكذلك ادخال القضاة في هذه الدورات الايمانية فلا يجوز تعيين القاضي او مواصلته بالعمل إلا بعد ان يجتاز هذه الدورة بنجاح.

 

 

الاتهامـات

 

وفق ما ورد في أعلاه ، فإن الإعلام الصهيو أمريكي بدأ بقلب الحقائق، فبدلاً من إلقاء الضوء على واقع العراق وقيادته والأسلوب الذي كانت تدير فيه أخطر أزمة على الإطلاق تتعرض لها دولة في العصر الحديث، فتتبنى السياقات والإجراءات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والادارية والاعلامية والسياسية والعسكرية وتسخّرها بصورة إستراتيجية تنسجم مع طبيعة التهديدات المتنوعة والحادة والمتواصلة التي كان العراق يتعرض لها، وبدلاً من الإشارة إلى العناصر الإيجابية في معالجة الوضع الاقتصادي مثلاُ باعتماد البطاقة التموينية، والتي وجدتها قوات الاحتلال وحكومتها من أفضل سبل الحفاظ على الوضع المعاش المستقر للمواطنين بالرغم من كل الضغوطات والتحديات والتي استمرت باعتمادها إلى ما بعد الاحتلال .

وبدلاً من الإشادة بالإدارة الاجتماعية التي حققت وحدة الصف الوطني بين مختلف أطياف الشعب العراقي، الا أن ذلك الإعلام المعادي راح يطلق الاتهامات المختلفة على القيادة العراقية ومنها الدكتاتورية، حلبجة، المقابر الجماعية ، وغيرها. واعتبرها مادة دسمة لموضوعاته وطروحاته.

وإذا ما قارنا بين هذه الاتهامات وما آل إليه الحال بعد الاحتلال ، لوجدنا أن الممارسات القمعية من قتل وتعذيب أبناء الشعب العراقي من قبل قوات الاحتلال بمساندة القوى العميلة له، فاقت كل دكتاتوريات العالم في التاريخ القديم والحديث والمعاصر.

كما أن المقابر الجماعية أضحت ظاهرة لقوات الاحتلال في مدن الفلوجة والنجف والموصل وسامراء، بالوقت نفسه الذي استخدمت فيه قوات الاحتلال شتى أنواع الأسلحة المحرمة ضد جيش وشعب العراق، فلم تعد خافية أمام أبناء العراق زيف اتهاماتهم.

ففي هذا المجال والضوء الإعلامي الساطع الذي وجه عليها، فهي ، أي المقابر الجماعية، حقيقة على واقع الأرض، ولكن من هم سكان هذه المقابر؟!

أن عام 1991 وما رافقه من عدوان عسكري واسع النطاق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها على العراق جواً وبراً شهدت صحراء العراق فيه مقابر جماعية للعديد من الجنود العراقيين، بنفس الوقت الذي قامت به إيران بزج مئات الألوف من أراضيها بالإيرانيين وما سمي "بقوات بدر" لمفاجئة القوات العراقية المنسحبة من الكويت ونشر الفوضى والارتباك بعد ما قام هؤلاء باستهداف موظفي الدولة وكوادر حزب البعث العربي الاشتراكي وعوائلهم. مما زاد من عدد راقدي المقابر الجماعية.

أما الدكتاتورية ، فإن غطاء الديمقراطية الدموية التي جاءت بها أمريكا في احتلالها للعراق جاءت لتشوه الحقائق وتمزق المجتمع . فعدد دكاكين الأحزاب التي ظهرت لا يمكن أن يتحملها أو يحتملها المجتمع العراقي ، ولعل الهدف منها تمزيق الشعب وزرع الفتن ليس إلا . فأغلب الأحزاب فئوية، طائفية ، عرقية، قومية، دينية، وليست احزاباً فكرية وطنية تستوعب كل أطياف الوطن ، بل أن قسماً من هذه الأحزاب بدأ يدعو إلى تحقيق العلاقة مع "إسرائيل" مثلما فعل المدعو "مثال الالوسي" الذي زار إسرائيل علانية وشكل حزباً برئاسته.

أما الصحف فوصل عددها إلى ما يفوق التصور ، فهل من المنطق أن يتحمل المجتمع العراقي هذا العدد من الصحف المتناقضة الأفكار والتي تجاوزت المائة صحيفة ، والعديد منها يمثل الجهات الأجنبية المرتبطة بها لترويج الأكاذيب والتشجيع على الخلل الخلقي، ومعاداة القومية العربية والترويج لموضوع " المثلث السني" و" البيت الشيعي" وغيرها لتفتيت أواصر الشعب الواحد؟!

أما شخوص وأزلام بعض الأحزاب أو أعضاء مجلس الحكم والمجلس الوطني ،فإن بعضهم لا يحمل أصلاً الجنسية العراقية وبعضهم متهم بالسرقة والاختلاس والاحتيال ، بحيث أصبح العراقي غريباً في بلده.

ولعل الميزان المشار له أعلاه يمكن من خلاله معرفة الفارق الحقيقي بين مصطلح "الدكتاتورية" التي اتهمت بها القيادة العراقية ومصطلح "الديمقراطية" التي جاء بها الاحتلال وتطبيقها لمبدأ (ديمقراطية القوة) وإشاعتها كذباً لمفهوم (قوة الديمقراطية).

أما ما يتعلق بموضوع استخدام الأسلحة الكيماوية على الأكراد في مدينة "حلبجة "فإن الحقيقة التاريخية لهذا الحدث الخطير الذي راح ضحيته الآلاف من أبناء الشعب العراقي، أطفالاً وشيوخاً ونساءً ورجالاً في واحدة من أكبر الجرائم الانسانية بشاعة على شعب فقير أمن في بلدته المتواضعة هي عكس مايروج له الاعلام الدكتاتوري.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه مبدئياً لماذا تستخدم القيادة العراقية السلاح الكيماوي ضد الأكراد في آذار/مارس من عام 1988 ميلادية ؟ وما هو المسوغ المنطقي أو الموضوعي أو الضروري لهذه الجريمة الخطيرة؟ وإذا ما رجعنا إلى ذلك العام والأعوام التي لحقته في نظرة تاريخية لوجدنا الصورة التالية:

لم تكن هناك أية مشاكل في عام 1988م بين القيادة العراقية والأحزاب الكردية، لا بل أن كردستان العراق لم يكن فيها خلال الحرب العراقية الإيرانية وخاصة في تلك المرحلة سوى قطعات عسكرية قليلة، حيث لم تكن هذه الجبهة من القتال ساخنة أصلاً في الحرب .

وبالرغم من محدودية القوات العراقية آنذاك في تلك المنطقة، فلم تسجل أي عملية استهداف لها أو للمؤسسات الحكومية من قبل أي جهة كردية. بل أن لواءين من الحرس الجمهوري العراقي الخاص كان منتسبوها من القومية الكردية ، فضلاً عن الشباب الكردي الذي كان منخرطاً في صفوف عموم القوات المسلحة ويقاتلون إلى جانب أشقائهم من القومية العربية خلال الحرب . لا بل أن كثيراً من قادة الفرق والألوية والكتائب في الجيش العراقي كانوا من الأكراد . ومنهم من كان يشار له بالبنان في قدراته لإدارة العمليات العسكرية الناجحة ضمن قاطع مسؤوليته.

ومن هذه الصورة الموجزة الأولية، يمكن طرح السؤال الذي يفرض نفسه، هل أن مصلحة القيادة العراقية وهي تخوض حرباً ضروساً ضد الإيرانيين وكثير من أراضيها كان محتلاً أن تقوم بهجوم بالأسلحة الكيمياوية على عوائل أمنة من الشعب الكردي في حلبجة ؟ وهل من مصلحتها أصلاً أن تفتح جبهة داخلية مضادة خطرة ؟ وماذا تحقق في ذلك غير الجانب الانعكاسي السلبي المضاف لهمومها؟. وقبل الدخول أيضاً في حيثيات ما جرى في حلبجة ، علينا أن نقفز بالزمن إلى المرحلة التي تلت هذا الحدث الذي حدث في آذار/مارس  عام 1988م.

فبعد إنتهاء الحرب العراقية الإيرانية في آب/ اغسطس من نفس العام، أي بعد خمسة أشهر فقط من جريمة حلبجة ونظراً للأجواء الصيفية الحارة في مناطق العراق الوسطى والجنوبية، فقد انطلقت أعداد كبيرة جداً من ابناء الشعب العراقي بمختلف شرائحهم (بضمنهم المسؤولين السياسيين والقادة العسكريين)وعوائلهم وغيرهم إلى منطقة كردستان ومصايفها الجميلة وأجوائها العذبة، وطبيعتها الخلابة للاستمتاع بها وقضاء وقت من الاستراحة والاستجمام.