|
شبكة منبر الحقيقة |
مقالات مختارة |
|
حسني مبارك وشيعة العراق حتى هذه اللحظة وأنا أكتب هذه السطور لم أرغب في أن يتداول ذهني مصطلحات طائفية لا تمت الى التربية البيتية والمدرسية والحالة التي عشتها مع أخوة وأصدقاء وزملاء عدة لم أنظر اليهم الا من منظار العراقية الوطنية الخالصة بغض النظر عن الاختلاف مع هذا أو ذاك بشأن المنظور القومي أو الاسلامي للتوجه السياسي الفردي. هذه النظرة شاركني فيها أغلب من التقيت وعرفت من ألاصدقاء والمعارف كعراقيين عاشوا وترعرعوا في ظل تنوع أطيافهم العرقية والدينية والمذهبية. حتى عندما احتل مغول العصر العراق وبدأوا يمارسون (أخلاقهم المتحضرة ) من قتل وتنكيل بشعبي بأسم الديمقراطية وهي بالحقيقة لم تكن أبعد من همجية مغلفة بحقد ولؤم على ديني وقوميتي ، أقول حتى في هذه الأثناء وعلى الرغم من ظهور التوجه الطائفي المقيت بين أوساط العراقيين لم أسمح لنفسي أن تنجرف بالاتجاه الطائفي. لقد اكتفيت بأن أخلق تمايزا بين العراقيين ، وهذا من حقي ، على أساس موقفهم من المحتل ومخططاته سواء بدراية أو جهل ، ومن يقف ضد المحتل وسياساته في تفتيت العراق واضعاف أو لنقل القضاء هلى عروبته وهذا ما يجري الآن تحت غطاء " الحرب الطائفية ". اسمحوا لي الآن العودة الى لب الموضوع ،لقد عودنا الرئيس المصري حسني مبارك منذ مجيئه الى السلطة ، وهي مدة غير قصيرة في تأريخ مصر والأمة العربية ، بأنه عندما يتفوه بشيء عن قضية ما فهو يمهد الى وقوع حدث خطير. ان العراقيين خبروا هذه الحالة ، فهم يدركون بأنه لا ينطق من حاله وانما يملى عليه ، لذا فأن في الأفق ما ينذر بخطر وشيك سيقع على العراقيين ولن ينجو منه أحد بصرف النظر عن انتمائه أو اتجاهه. من أجل تسمية الأسماء بمسمياتها الصحيحة بما يتطابق مع الحال والواقع الحقيقي لابد من تحليل ما ذكره الرئيس المصري بعمق وتجرد بعيدا عن العاطفة والارتجال في الرد أو التحليل. هنا نركز هلى مقولة الرئيس مبارك بأن (الشيعة في كل مكان ولائهم الى ايران). لا يهمني هنا موقف الشيعة العرب في هذا البلد او ذاك ولكن ما يعنيني الان شيعة اهل العراق، فما هو موقفهم من هذا الاتهام. حقا انه اتهام يطعن عروبتهم في الصميم، واذا ما عبر الرئيس مبارك عن ذلك بصراحة فأن الاتهام نفسه قد يراود غيره ايضا من خلال ما تشهده الساحة في العراق. اما اذا ما رغب اهل الشيعة في العراق في تفنيد الاتهام ما عليهم الا اثبات انه في غير محله وان الرئيس مبارك وسواه من يفكر بالتفكير نفسه بهذا الشأن واهمين ويطلقون اتهاماتهم جزافا وليس بناءا على حقائق تؤكدها الوقائع على الارض. ينبغي هنا الاعتماد على الافعال والمواقف لا الشجب والتنديد بما ذكره الرئيس مبارك لكي تكون الحجة مؤيده بالواقع فيدمغ التقولات ان كانت في غير محلها. ان هذه الحقائق هي مع شيعة اهل العراق وعليهم، ومن اجل ان نحلل بأسلوب صائب ما ذهب اليه الرئيس مبارك لا بد من الاشارة بأيجاز الى بعض تلك الحقائق. اما التي مع شيعة اهل العراق، فكلام الرئيس مبارك جاء عمومي ومطلق ليتهم كل شيعة العراق وغيرهم في البلدان الاخرى بأن ولائهم الى ايران في الوقت الذي نجد فيه ان عددا غير قليل من شيعة العراق يبذل المستحيل لكي يثبت ولاءه لعروبته على الرغم من المعوقات الكبيرة التي خلقها الاحتلال الامريكي – البريطاني للعراق. وهو ايضا يطعن المقاومة العراقية الباسلة التي ينخرط فيها كل العراقيين بتنوع انتمائاتهم المذهبية والدينية ومن بينهم الشيعة. في الماضي القريب قاتل الشيعة وهم جزء من شعب العراق النظام الايراني وقواته المسلحة اللذين ما زالا قائمين حتى الان، لمدة ثمان سنوات انطلاقا من وطنيتهم كعراقيين وعروبتهم كقوميين. بالطبع هذا لا يحجب حقيقة مهمة في ان اعدادا منهم كانوا منظمين تحت انتماءات سياسية على اسس طائفية بحتة مرتبطة بقوة بالنظام الايراني وقد مارسوا افعالا تخريبية واجرامية طيلة مدة الحرب بين العراق وايران وحتى هذه اللحظة. ان اشارة الرئيس مبارك تحاول ان تخلق فرزا بين شعب العراق على اساس طائفي انسجاما مع ما مخطط اليه وما ينفذ الان في العراق، لذا فأنها تجسد الانغماس في هذا الاتجاه خدمة لمصالح الامريكان وعملائهم. في الوقت نفسه ان هذه الاشارة تخدم على مدى كبير توجهات الاحزاب الدينية السياسية الموالية للنظام الايراني، فهم يعملون حثيثا على اثبات ما ذهب اليه الرئيس مبارك، وما اتنقاداتهم لاشارته الا من باب ذر الرماد في العيون، ويقينا هم سعداء جدا لسماعهم هذا الكلام الذي يعني ان اهدافهم في طريقها الى التحقق. ربما ان الرئيس مبارك بنى اعتقاده على حالة موجودة تتسم بالموضوعية وتمس صميم العلاقة بين المرجع الديني الشيعي ومقلده، فلان اغلب المراجع الدينية في العراق ذات اصول ايرانية وان ولاءها لايران بغض النظر عن التزاماتها الدينية فمن باب تحصيل الحاصل ان ولاء المقلد سيتبع ولاء مرجعه، وهذه مسألة مهمة وجدية في طبيعة العلاقة بين الاثنين آن الاوان لاعادة النظر فيها من عوام اهل الشيعة لا سيما المتعلمين والمثقفين منهم. اما ما على شيعة اهل العراق في اشارة الرئيس مبارك، فهو ربما استند على حقائق وجدها تدعم بعض الشيء فيما ذهب اليه ان لم يظهر ما يفند اتهامه. فالشيعة فسحوا المجال كثيرا للاحزاب السياسية الموالية لايران التي تدعي انها شيعية لان تتمادى في تسيير الامور بأتجاه التبعية الكاملة لذلك النظام. فأذا ما تفهمنا قبول هذه الاحزاب لهكذا تبعية لانها اصلا تأسست واعدت ودربت ومولت ايرانيا وانها تسعى لتحقيق اهداف ايران في العراق، لكننا لا نتفهم ان يكون ابناء الشيعة اداة بيد هذه الاحزاب التي نجحت في تجنيد اعداد غير قليلة منهم للانخراط في صفوفها وممارسة افعالها الطائفية التي هي في كل الاحوال تصب في صالح ايران وتعزز الولاء لنظامها. ان انجرار غالبية اهل محافظات الجنوب والوسط في العراق لمساندة وتأييد فصل مناطقهم تحت غطاء الفيدرالية من العراق لا نجد له تفسيرا مقنعا بما يدل على التمسك بعروبة العراق ووحدة اراضية وشعبه. فأذا كانت الذريعة هنا في عدم استطاعة اهالي هاتين المنطقتين مواجهة تنظيمات تلك الاحزاب التي تعيث مليشياتها فسادا في الارض، فأن هذه الحجة ليست ذات اسس قوية فمواجهة نشاط هؤلاء واهدافهم بالامكان ان تأخذ اتجاهات متنوعة بما فيها التنسيق المباشر مع المقاومة العراقية الباسلة. كذلك انخراط عشائر عدة من تلك المناطق في الترويج لاهداف هذه الاحزاب في الوقت الذي نرى فيه ان تلك العشائر ما فتئت تفتخر بعروبتها لكن دون ان تثبت حقيقة هذا الافتخار. اذا كان عدد غير قليلا من اهل الشيعة يتمسكون بما يمليه عليهم مرجعهم الديني في موقفهم من هذه الاحزاب او من الاحتلال عموما وان يظهروا الليونة والاستجابة تجاه المحتل وان يقاتلوا بعنف ابناء شعبهم لاعتبارات طائفية، فهناك مراجع دينية اخرى لا غبار او شك في عروبتها دعت وما زالت الى مقاومة الاحتلال والنفوذ الايراني فلماذا بقي دور ونفوذ هذه المراجع ضعيفا لا سيما انهم عرب اقحاح وليسوا اقل علمية ودراية بالدين عن غيرهم. يحسب على اهل الشيعة ايضا سماحهم لمن يتحدث عنهم بنفس طائفي ويدعوهم الى التمسك حتى القتال بمسيرة (العملية السياسية) وكأنها فرصة الحياة التي طال انتظارها قرون عدة ولا ينبغي التفريط بها ما دامت بقبضة اليد بغض النظر عما يلحق بالعراق من خراب ودمار وذبح لشعبه في ظل وجود المحتل الذي لم يفرق بين ابناء العراق في المعاملة عندما تقتضي مصلحته ذلك والشواهد كثيرة بهذا الشأن. حقيقة اخرى دامغة، كيف يمكن للنفوذ الايراني ان يكون بالقوة التي تفرض على ادارة المحتل التفاوض مع ايران بشأن حال العراق ومستقبله. كيف يمكن ان يظهر مثل هذا النفوذ بلا ارضية خصبة يستند عليها. كيف لصاحب نفس عروبي حقيقي يقبل بذلك، فمن هم اداة هذا النفوذ لا سيما ان الدعوة الى التفاوض صدرت عن دمية النظام الايراني في العراق التي تستمد قوتها من النفس الطائفي. اذا كانت الاجابة عن ذلك بأن هذا النفوذ متأتي من وجود ايرانيين، بخاصة عناصر الحرس الثوري، بأعداد كبيرة في العراق فمن يوفر لهؤلاء الامان والملاذ ومن يمدهم بالمعلومات الدقيقة عن كل عراقي يقف بوجه الاحتلال، لا بل وعن كل طيار عراقي شارك في الدفاع عن ارضه وشرفه في ايام الحرب العراقية- الايرانية. حقيقة اخرى تعززها الوقائع بشدة، هل من مصلحة شيعة اهل العراق التغاضي عن ممارسات تلك الاحزاب والعناصر الغوغائية المرتبطة بها او المنفذة لاهدافها بما ينسجم مع طموح المحتل ومخططاته في نسج خيوط حرب اهلية بدأت ارهاصاتها بالقتل على الهوية او الاسم. الا يعني المعنيون خطورة ذلك وانعكاساته على الرابط الاجتماعي بين العراقيين ان لم نقل على عروبتهم. رب قائل يقول ان هذه الممارسات هي ردود افعال لعمليات تفجير تطال أهل الشيعة، فهذا القول مردود وغير مقبول على الاطلاق لانه يتهم الاخر بلا وجه حق بأنه المسؤول عنها بينما اصبح معلوم للقاصي والداني من يقف وراء هذه التفجيرات والنظام الايراني غير بريء منها. لا نريد الاسترسال في سرد حقائق مؤلمة افرزها الاحتلال، لكن نريد ان نصل الى موقف مسؤول عنه شيعة العراق قبل غيرهم في تبديد اشارة الرئيس مبارك وان يثبتوا انه على خطأ وقد تجنى عليهم، ولا بد ان يأتي ذلك من خلال وقائع عملية ذات وقع مدوي يعكس الغيرة والمرؤة اليعربية. اما الامانة فأنها تحتم الاشارة هنا الى استنتاج مهم وخطير وهو التذكير بأن اشارة الرئيس مبارك هي بداية الشروع الى ما لا يحمد عقباه وربما سيدفع فيه شعب العراق ثمنا غاليا وسيكون اهل شيعته الخاسر الاكبر ان لم يعبروا عن انتمائهم العروبي بما ينبغي من مواجهة للمحتل واعوانه في آن واحد وان لا يكونوا حطب (نضال) من تربى على يد المخابرات الايرانية لسنين طويلة ويستغل مذهبهم لتنفيذ ما علم به. ارفعوا اصواتكم عالية مجلجله بأنكم عراقيون عرب وبرهنوا ذلك اليوم قبل الغد والا فالتاريخ لن يرحم. |