|
أمم تحت الحصار .. دعوة للتكتل |
| |
|
د .قيس النوري |
|
لم تنتهي الحرب بأنتهاء الحرب الباردة، إنما بأدت للتو بأبشع صورها
فأنتحار الأتحاد السوفيتي فتح الطريق واسعا أمام أعتى وأبشع قوة عرفها
التاريخ الأنساني حيث بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بشن الحرب السافرة
على شعوب الأرض، بالأخص منها دول الجنوب الفقير، مستخدمتا في حربها
الكونية كل وسيلة متاحة تحتويها البنية الأمريكية وترسانتها الأقتصادية
والعسكرية والإعلامية ومفاهيمها ذات الطابع العدواني الجوهر .. بدأت أولا
بفرض مفاهيم السوق أداة سيطرة وتحكم وصولا لسوق عالمية واحدة عبر التحكم
بالأقتصاد والسياسة والفكر والثقافة، ولما كان مفهوم (التجارة الحرة)
يعني طبقا للرؤية الأمريكية يتطلب كنس كل المعوقات دون أحتساب للقيمة
الأنسانية لشعوب الأرض مما أفضى إلى أعتماد الحرب، والحرب الدائمة وسيلة
وحيدة، بل مفضلة لتشغيل الترسانة الهائلة المصنعة للسلاح عماد الأقتصاد
الأمريكي، الولايات المتحدة هي البلد الوحيد في العالم الذي يعتمد على
تجارة السلاح لتحريك ليس فقط الأقتصاد وإنما كل مفردات الحياة في
الولايات المتحدة، ودون أزدهار هذا القطاع الجهنمي فأن الأختلالات
الهيكلية سرعان ما تظهر بقوة في أمريكا (الحرية) .. تجارة السلاح تعني
الحرب، وأن لم تكن لابد من إشعالها، هذه الحرب التي تأتي غالبا بوهج
الحرية، وحقوق الأنسان، والديمقراطية لكنها مقيدة بنفس السلسلة التي يقيد
فيها السيد كلبه، وهي حقوق للأنسان تشترط بصرامة الأذعان لهذا السيد، لا
يجوز التمرد عليها مثلما لا يحق للكلب أن ينتزع بذاته سلسلة العبودية
وإلا يعتبر أرهابا، وهي ديمقراطية شريطة أن تفعل ما يريده السيد على حد
تعبير المفكر (جومسكي)، هي مفاهيم غرضها تأمين (حرية التجارة) فالسيد
لديه بضاعة التدمير، أنه لا يريد أكثر من تسويقها، وسيلته المتاحة مثل
هذه المفاهيم الفاسدة .. كان من نتائج الجوهر العدواني للسياسة والإقتصاد
الأمريكي ومؤسساته المالية الدولية أن زاد العالم الفقير فقراً، حتى
أصبحت الفجوة بين الأغنياء في الشمال وعالم الموارد المنهوبة في الجنوب
حدا مأساويا في تأثيراتها حيث وصلت إلى 300 ألف دولار مقابل 300 دولار
فقط.. وحين أمتلك الغرب الأستعماري التقنية وفقد الخلق، هذه التقنية التي
هي حق أنساني ساهمت في صنعها كل حضارات الأنسانية منعت من العمل في
الجنوب لمعالجة الجوع والمرض.. في منتصف تسعينات القرن الماضي دعى الرئيس
صدام حسين إلى تأسيس تجمع للشرق (المقصود دول الجنوب) وليس القصد منه
الشرق جغرافيا، فحوى تلك الدعوة كانت تقوم أساسا على بناء تكتل أقتصادي
دولي يضم دول الموارد الأستراتيجية لغرض إيجاد توازن ما بين الغرب
والشرق، فالأول يحتاج الشرق كونه يمتلك أساس المدخلات المادية والتي لا
غنى عنها للعالم الصناعي المتطور، ولكي تكون العلاقات بينهما قائمة على
التوازن والمصلحة المتبادلة وتحييد النزعات العدوانية وسياسات النهب
القسرية التي يمارسها العالم الصناعي .. ليس أمام دول الجنوب (الموارد
الخام) غير التأسيس لتكتل عملاق من الصعب على أمريكا والغرب عموما تجاوزه
ما دام يواجه كتلة عملاقة تعتمد سياسات موحدة قائمة على أسس واضحة في
المقدمة منها تأمين المصالح الضائعة في خضم سياسات الفرض والتهديد الغربي
الدائم ..
ليس هذا فقط، فقد تظمنت تلك المبادرة، وهي مبادرة ضاعت وسط تداعيات
الحصار الأقتصادي الذي فرض على العراق منذ عام 1990 وعزله سياسيا
ودبلوماسيا، الأفكار المطروحة في المبادرة تناولت أليات العمل والتنسيق
في الصناعة والزراعة بما يرصن ويطور أقتصاديات دول التجمع المقترح، لاحقا
تنبهت بعض القوى الأسيوية الكبرى، ومنها الصين وماليزيا وأندنوسيا إلى
أهمية مثل هذا الطرح لكنها أقتصرت بحدود بعض الدول الأسيوية فقط، في حين
أن دعوة الرئيس صدام حسين كانت ذات أبعاد دولية أشمل بما فيها دول أمريكا
الجنوبية، وهي في جوهرها إحياء لكتلة عدم الإنحياز بأبعاد أقتصادية فاعلة
تفيض بالقطع على السياسات.. أن جوهر الصراع بين الغرب والشرق عبر التاريخ
ولم يزل يتمحور حول الموارد وشكل وأساليب التعامل المختل دائما لصالح
الأقوى بسبي تبعثر سياسات دول الجنوب وقصور الإدراك عن فهم جوهر الصراع
ومحركاته .. هل يعي الجنوب الفقير بأنه مشروع دائم للنهب والأبتزاز وأن
وسيلته الوحيدة هي العمل الجاد على التكتل؟ |